فهل كل هذا يعطى للمجاهد في سبيل الله اعتباطا ؟ أم يعطى تقديرا لمنزلته وبيانا لمهمته النبيلة ، وتذكيرا بمسئوليته الجسيمة .. ؟ أليس المجاهد يخرج من بيته لله ، وإلى الله ، يقصد بخروجه الدفاع عن الحرمات ، وصيانة حدود وطنه وكيان أمته ، لتبقى الدعوة ماضية ، والعقيدة ثابتة ، والكرامة محفوظة ، ومن حقه أن يكرم .
ويروي الإمام أحمد في مسنده عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير أن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قال وهو يخطب على منبره:
إني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما كان يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن عليكم ,, إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها".
ولعلنا ندرك من قول الخليفة الورع التقي: ( ما كان يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن عليكم ) خوفا من افتتان المجاهد بمكانته ، إذ من الواجب على من يتبين مكانته من الأمة أن يزداد حرصا على هذه المكانة بالتواضع والترفع عن النقائص ، فلا يسمح لنفسه بالتطاول على غيره ، ولا بالزهو على سواه ، وإنما يندفع في طريقه تقديرا للواجب ، وقياما بحق المهمة التي عهد إليه بها ، والتي ندب لها ....
ولهذا كان شرف المسئولية وعظم المهمة من أعظم الأسلحة قديما وحديثا ، لأنه يعطي الطاقة الفياضة للسيطرة على النفس ، كما يعطي الدفعة القوية للتقدم لأداء الواجب ولهذا لا غرابة أن ينتهي شرف الغاية بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فيقول:
"لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله ، والذي نفسي بيده ، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل ثم أحيا ، ثم أقتل"... رواه البخاري في صحيحه .