التي خرجت على الأصول المطردة، وتشعبت المواقف منه من حيث التضعيف والجواز والرفض.
وإذا كانت اللغة تعكس الطبيعة الإنسانية بأنها لا تخضع للأحكام خضوعًا مطلقًا فإنها تعكس تلك الطبيعة بمظهر آخر يمثل الغموض المحير الذي لا يخضع لتفسير واحد، فقد لاحظ النحاة أن هناك شواهد لم تخرج على قاعدة ولم يؤثر فيها أمرٌ سياقي، وتبقى فيها بعض القضايا المحيرة في الفهم التي تقبل غير وجه، مما جعل طبيعة اللغة الإنسانية سببًا في تعدد أوجه التحليل أحيانًا.
ولا شك أن المفسر عندما يتناول نصاًّ ما ينقاد إلى فهم معين، وهذا الفهم يعد حصيلةً لتفاعل أمرين، المعطيات السياقيّة التي يتشكل منها المعنى، وطبيعة المتلقي من حيث التكوين الفطري والمكتسب، إذ يتعدد المعنى في نظر المفسر الواحد بسببٍ من المعطيات السياقية التي يرتكز عليها في فهم النص، ويقود هذا إلى تعدد في التحليل النّحوي عنده، وقد يختلف فهم المعنى باختلاف الناس، مما يجعلنا نرى التفاوت النسبي في عملية التلقي وتحديد المعنى أمرًا شائعًا، وهو ما يجعل التحليل النّحوي أحيانًا يختلف الاختلاف نفسه، كما يظهر في تفاسير القرآن الكريم وغيرها.
ويبدو أن هذه القضايا المشار إليها قابلة للاجتهاد مع مرور الأيام، فإذا كانت الشواهد التي تمثل الفصحى وقد خرجت على المطرد ثابتة فإن الأشخاص الذين ينظرون فيها يتزايدون بمرور الزمن، وكذلك الأمر مع ما تمثله طبيعة اللغة، أو النصوص المهمة الثابتة، كالقرآن الكريم، ومن ثم كثر التعدد بالتوليد والتفريع، وكثر الأخذ والرد بالجواز والترجيح والتضعيف والرفض.
ومما تقدم يمكن النظر إلى الأسباب التي كانت وراء ظاهرة التعدد من أربعة جوانب: الخروج على القاعدة، وطبيعة اللغة، والمعنى، والاجتهاد.