الصفحة 4 من 61

مما جعلهم يجردون قاعدة مبنية على مطرد خرج على أصل الوضع تقول: يطرد حذف الجار مع"أن"المصدرية إذا أمن اللبس [1] .

أما القسم الآخر من القواعد فهو ما اختلف فيه، وشكل ملمحًا بارزًا من ملامح الخلاف النّحوي، ولعل السبب في عدم الإجماع على هذه القواعد يعود إلى أمرين، الأول هو اضطراب مفهوم المطرد عند النّحاة أحيانًا، فهناك أنماط تركيبية يعتقد بعضهم أنها تطرد في الكلام شعرًا ونثرًا، فيجعل منها قاعدة يقيس عليها، على حين يعتقد بعضهم الآخر أن هذه الأنماط لا تطرد في كلام العرب، وبذلك لا يجوز التقعيد لها والقياس عليها، من ذلك أسلوب القلب، فقد ذهب قسم من النحاة إلى أنه يجوز في الكلام والشعر اتساعًا واتكالًا على فهم المعنى، وبناءً على ذلك حلّلوا بعض الأساليب التي وردت في القرآن الكريم قياسًا على القلب، على حين ذهب نحاة الأندلس إلى أن هذا النمط غير مطرد، ولا يجوز في الكلام إنما يجوز في الشعر اضطرارًا، وبذلك لم يقيسوا تلك الأساليب التي وردت في القرآن الكريم عليه، بل وجهوها وجهة أخرى [2] . فالنحاة هنا لم يختلفوا في التقعيد والقياس على المطرد، وإنما اختلفوا في تحديد المطّرد، وبناءً على ذلك حدث الخلاف في التقعيد والقياس.

أمّا السبب الآخر الذي أدى إلى الخلاف في بعض القواعد فهو المعيار الذي يتخذه النّحوي للتقعيد، فهناك من يتشدد في المعيار ولا يقبل التقعيد إلا للمطرد، كالبصريين، وهناك من يتوسع في المعيار فيقبل التقعيد لما لم يطرد [3] ، كالكوفيين، فالمطرد في المنادى، مثلًا، ألاّ يأتي معرفّا بالألف واللام، وقد جاءت بعض الشواهد ودخلت أداة النداء فيها على ما عُرّف بالألف واللام، فتناولها البصريون بالتأويل والتقدير، لتنسجم والقواعد المطّردة، أما الكوفيون فتمسكوا بالظاهر، واعتبروا المعرف بالألف واللام هو المنادى، ولم يكتفوا وإنما جعلوا من

(1) . أبو حيّان النَحوي، أثير الدين محمد بن يوسف: البحر المحيط1/ 254، 632.

(2) . المصدر نفسه1/ 186 - 187.

(3) . إن ما لم يطرد له تسميات كثيرة، منها الشاذ والقليل والنادر والرديء والقبيح وغيره، وقد تتداخل هذه المصطلحات فتختلف من نحوي إلى آخر، انظر: فلفل، محمد عبدو: ما لم يطّرد في قواعد النحو والصرف عند أعلام النحاة حتى القرن السابع الهجري ص1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت