الصفحة 52 من 61

الأقوال، وإن كان بعض قائلها له إمامة في علم النحو ورسوخ قدم، لكنه لم يحتط بلفظ الكلام ولم يكن في طبعه صوغه أحسن صوغ، ولا التصرف في النظر فيه من حيث الفصاحة، وبه يظهر الإعجاز. وقبل تسطير هذه الأقوال هنا وقعت على جملة منها، فلم يرق لخاطري منها شيء، فرأيت في النوم أنني أمشي في رصيف، ومعي رجلٌ أباحثه في قوله تعالى:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، فقلت له: ما مرّ بي شيء مشكل مثل هذا، ولعل ثم محذوفًا يصح به المعنى، وما وقفت فيه لأحد من المفسرين على شيء طائل، ثم قلت له: ظهر لي الساعة تخرجه، وأنّ ذلك المحذوف هو"نصرك". واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج، ثم انتبهت من النوم، وأنا أذكره، والتقدير، فكأنه قيل:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"أي بسبب إظهار دين الله، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تهيبًا للقتال وخوفًا من الموت، إذ كان أمر النبي صلى الله عليه وسلم لخروجهم بغتةً، ولم يكونوا مستعدين للخروج، وجادلوك في الحقّ بعد وضوحه نصرك الله وأمدك بملائكته. ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده، وهو قوله تعالى: ... [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] [1] . ويظهر أنّ الكاف في هذا التخرج المنامي ليست لمحصن التشبيه، بل فيها معنى التعليل، وقد نص النحويون على أنه قد يحدث فيها معنى التعليل ... ومن الكلام الشائع على هذا المعنى: كما تطيع الله يدخلك الجنة، أي لأجل طاعتك الله يدخلك الجنة، فكأن المعنى: إن خرجت لإعزاز دين الله، وقتل أعدائه، نصرك الله، وأمدّك بالملائكة ..." [2] ونلاحظ أنّ ما ذهب إليه أبو حيان ليس بأقوى من كثيرٍ مما تقدم، لأن معطيات السياق المعتمدة، وكثرة التقدير، وكيفية التركيب الذي يقود إليه هذا الفهم تجعله ليس بأقوى من كثير مما تقدم. وبذلك يبدو أن الاجتهاد في مثل ذلك يغني ما يحتمل التعدد بأوجه كثيرة، تفوق ما يحدث فيما يخرج على القاعدة، لأن معطيات التحليل التي ينطلق منها النحوي أوسع، فهي حصيلة لثقافته النحوية وفهمه للمعنى، ولعل ما تقدم في تحليل"كما"خير دليل على ذلك."

(1) . سورة الأنفال، الآية"9".

(2) . البحر المحيط4/ 457 - 458.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت