وثانيا: هذا الحديث فيه دليل على أن العبرة ليس بالكثرة، بل العبرة في إصابة الحق . وقد تفطَّن إلى هذا المجدد الثالث للسلفية ـ رحمه الله ـ الشيخ محمد بن عبد الوهاب: قال في مسائله على الباب والحديث: (( لا يجوز الاغترار بالكثرة، ولا الزهد في القلة ) ). وهذا المعنى يزيدُه وضوحًا حديث افتراق الأمم الذي هو صحيحٌ بمجموع طرقه؛ فقد جاء في بعض طرقه: (( وستفترقُ هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ) )، قالوا: مَن هي يا رسول الله ؟، قال: (( الجماعة ) )، وهذه الرواية الصحيحة، وقد فسَّرها ابن مسعود رضي الله عنه فقال: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك، فإنك حين إذ الجماعة) . وفي رواية أخرى ضعيف إسنادها لكنها صحيحة المعنى والشواهد عليها كثيرة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم لَمَّا سئل عن الفرقة الواحدة ؟ قال: (( مَن كان مثل ما أنا عليه اليومَ وأصحابي ) ).
والشواهدُ إن لم تكن مستفيضةً عن النبي صلى الله عليه وسلم على معنى هذه الرواية فإنها متواترة؛ إمَّا متواترة وإما مستفيضة .
فبان بهذا التقرير أنه لا عبرة بغير إصابة الحق، لا عبرة بغير السداد في الأقوال والأعمال؛ وهذا السداد هو: تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم .
الأمر الثالث: الأثر الذي يصححُ رفعَه بعضُ طلاب العلم ـ بعض أهل العلم ـ، وذلكم الأثرُ: (( يحمل هذا العلم من كل خلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) ).
فإذا تقرر بعد هذا وتحصَّل لدينا أنَّ العبرةَ كل العبرة والميزان الحق هو في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم ينصب أحدًا من البشر قدوةً حسنة سواه لذاته، كما قال جل وعلا: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ( .
فلننتقل أيها الأبناء إلى بعض القواعد في المنهج السلفي .