الصفحة 59 من 70

أما على صعيد الباكستان فقد باتت تخشى تأثيرات طالبان عليها. واعتقد أن التهديد الأقليمي لظاهرة طالبان وما انتجته لا ينحصر فقد باتجاه النهر شمالًا ودول آسيا الوسطى حيث بالإمكان أن يتقدم الطالبان أو تأثيرهم لتحريك المسلمين. وإنما من تأثير قد حصل فعلًا من قبل مشاعر المسلمين والحركات الدينية في باكستان والتي تأججت بفعل وجود الطالبان وانتصاراتهم وصيحات الجهاد والتي لم يحل بينها وبينها نهر على حدود باكستان أفغانستان وقد عبرت مع الرياح وأصبح أثرها يبشر بالخير الكثير شرق أفغانستان أيضًا ونصر الله إن شاء الله قريب ..

وأنتقل الآن للرد على الشبهات الباقية والتي لم أجد لها سمتًا شرعيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا فاسميتها كما تستأهل والله أعلم بأنها شبهات تهويش وجدال وسأختار ثلاثة منها إن شاء الله وبذلك يتم الفصل الثالث بتيسير الله تعالى.

18 -الشبهة الثامنة عشرة:

وقد بلغتني غيابيًا ولم اسمعها مباشرة وقد سمعتها من قبل مرات وهي هامة لأنها تنضوي على جهل فظيع بالدين والشريعة والواقع والسياسة الشرعية المبنية عليها، فقد قال بعض الناس:

نحن لا نقبل كلمة القتال من أجل المصالح والمفاسد ولا نقبل هذه الكلمة (المصلحة) لأنها صارت مستند الإسلاميين الفاسدين والمبتدعين وحتى المتزندقين من أمثال الترابي والغنوشي والنحناح وكثير من الإخوان المسلمين ليدخلوا في الدين ما ليس منه وإنما نقبل فقط قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وليس قالت المصلحة. فأقول والله المستعان:

هذه العبارة كما وردت هكذا تدل على جهل قائلها المطبق بالدين عمومًا وبالسياسة الشرعية خصوصًا، فمن قال لإخواننا هؤلاء هداهم الله وهدانا وفقهنا في ديننا، من قال لهم أن كلمة المصلحة والمفسدة ليست مما قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. أما أن في زعامات العمل الإسلامي اليوم من جعل المصلحة والمفسدة مدخلًا للإحداث والابتداع والضلال والإضلال عن دين الله فهذا صحيح وكنت فيمن أنتقد هذا. ولكن من قال أن هذا يشطب كون أن هناك مصالح ومفاسد شرعية معتبرة. ولأئمة الإسلام كلهم أئمة المذاهب الأربعة ثم الأئمة المشهورين مثل ابن تيمية وابن القيم وابن حزم وغيرهم، كلام طويل في هذا الباب ولا سيما في مسألة السياسة الشرعية، حتى أن للفقهاء بحوثًا كثيرة في المصالح الشرعية المعتبرة وضوابط المصلحة المرسلة في السياسة الشرعية وهو بحث طويل ليس هنا مكان نقل شواهده .. وقد مر معنا في الفصل الثاني طرفًا من هذه الشواهد وهو قول ابن تيمية أن كثيرًا من القتال يدور على درء أعظم المفسدتين واستجلاب أعظم المصلحتين وقوله أن معظم الغزو القائم بعد الخلفاء الراشدين لم يكن إلا على هذا الوجه.

وقد مر معي في بعض الكتب قولًا لابن القيم عظيم الدلالة إذ قال"إذا تحققت المصلحة وتأكدت فثمة هنالك شرع"ولابن تيمية كتاب ضخم من عشرة أجزاء أو أكثر في عدم تعارض العقل مع النقل .. أي مقتضيات العقل والمصلحة مع الدليل الشرعي بالنص.

وقد ذكر معظم العلماء في السياسية الشرعية أن معظم قواعد السياسية الشرعية قائم على المصالح والمفاسد. ولهذا يعرف من قرأ في السياسة الشرعية أن النصوص الثابتة من الكتاب والسنة تشكل خطوطًا عريضة للاستنباط وأن معظم ذلك الاستنباط قائم على المصالح والمفاسد واستجلاب المصلحة للمسلمين ودرء المفسدة عنهم، وللإمام الشاطبي في كتاباته ومنها الاعتصام والموافقات فصول عظيمة في هذا الباب، فمقاصد الشريعة هي الحفاظ على الضرورات الخمسة كما صنفها وصارت علمًا ينسب له وهي حفظ الدين - حفظ العرض - حفظ النفس - حفظ المال - حفظ العقل وإن الشريعة جاءت بحفظها. فهل نلغي هذا الأصل العظيم من الدين لأن بعض المنحرفين والجهال والمتزندقين من بعض دعاة وقيادات في العمل الإسلامي استغلوه وحرفوه .. هذا ما قال به عاقل، وإلا فإن البعض يستغل نصوصًا عامة أو متشابهة من القرآن لأغراضه كما قال تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) فهل نلغي القرآن لأن البعض استخدمه استخدامًا شاذًا؟ وهل نغلي السنة لأن البعض استشهد بها وحرف تأويلها على هواه؟ هذا ما يقول به إلا جاهل أو ضال .. ومعظم من يصدر منهم هذا القول من إخواننا جهال تعقدوا من كثرة الضلال المنسوب لبعض زعامات الحركات الإسلامية. ولهذا سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب والإئمة المضلون هدمًا للدين. قال صلى الله عليه وسلم ثلاثة تهدم الدين وذكر هذه، ولكن يجب التنبه لهذا، فكل ما ذكر من هذه المصالح والمفاسد مستند كله إلى قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم. والشواهد لا حصر لها تخرج بنا عن هذا المقام ويكفي ما اسلفت للتنبيه ..

19 -الشبهة التاسعة عشر:

وهي نموذج وحيد أحببت ذكره عن الشبهات التهويشية أو السخيفة وأسأل الله أن يغفر لقائلها ويهدينا جميعًا لما يحب ويرضى، ويجنبنا الشيطان، فقد بلغني أن قائلا قال: إن هؤلاء الذين يدعوننا للقتال دفاعًا عن كابل إنما يدعوننا لذلك لأنهم اتخذوها مكان إقامة وصار لهم فيها بيوت ووضعوا هناك زوجاتهم وأولادهم فلما دهمها الخطر يستصرخوننا للدفاع عنهم!! هكذا والله بلغتني ولله في خلقه شئون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت