فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 65

... أين سكانها الذين بنوا مدائنها ، وشقوا أنهارها ، وغرسوا أشجارها ، وأقاموا فيها أيامًا يسيرة ، غرتهم بصحتهم فاغتروا بنشاطهم ، فركبوا المعاصي ، وإنهم كانوا ـ والله ـ في الدنيا مغبوطين بالمال على كثرة المنع عليه محسودين على جمعه .

ماذا صنع التراب بأبدانهم والرمل بأجسادهم ، والديدان بعظامهم وأوصالهم، كانوا في الدنيا على أسرة ممهدة ، وفرش منضودة بين خدم يخدمون، وأهل يكرمون ، وخيران يغصون ، فإذا مررت فنادهم إن كنت مناديًا ، وسر بعسكرهم ، وانظر إلى تقارب منازلهم ، واسأل غنيهم ما بقى من غناه ، واسأل فقيرهم ما بقى من فقره ، واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون ، وعن الأعين التي كانوا بها ينظرون ، واسألهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الألوان وأطلت اللحمان ، وعفَّرت الوجوه ، ومحت المحاسن ، وكسرت الفِقَار ، وأبانت الأحشاء ، ومزقت الأشلاء ، وأين حجابهم ، وبوابهم ؟؟ أين خدمهم وعبيدهم ؟؟ وجمعهم ومكنونهم ؟؟ والله ما فرشوا فراشًا ، ولا وضعوا هنالك متكئًا ، ولا غرسوا لهم شجرًا ، ولا أنزلوهم من اللحد قرارًا.

أليسوا في منازل الخلوات والبلوات ؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليس هم في مدلهمة ظلماء ؟ وقد حيل بينهم وبين العمل ، وفارقوا الأحبة.

فكم من ناعم وناعمة أصبحت وجوههم بالية ، وأجسادهم عن أعناقهم نائية ، وأوصالهم متمزقة ، وقد سالت الحدقات على الوجنات وامتلأت الأفواه دمًا وصديدًا ، ودبت دواب الأرض في أجسادهم ، ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا والله إلا يسيرا ، حتى عادت العظام دميمًا.

قد فارقوا الحدائق ، وصاروا بعد السعة إلى المضايق ، وقد تزوجت نساؤهم ، وترددت في الطرق أبناؤهم ، وتوزعت الورثة ديارهم وتراثهم .

فمنهم: ـ والله ـ الموسع له في قبره الغض الناضر فيه المتنعم بلذته ، ومنهم: المعذب في قبره المضيق عليه فيه ، النادم على ما فرط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت