فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 55

لم يكن غامضًا، وإن مسح وجهي بعينيه، أو تمعّن بي، فلسبب لا علاقة له بالحب، أو لغاية يسعى إليها، وبدوري لم أحاول تفسير الأمور على عكس حقيقتها، فأنا أهوى الصدق، الذي ربما لعب دورًا في مصادرة مشاعري، التي اعتقلتها تلك الأيام تصرّفاته العفوية.

طوى أوراقه وابتسامته معًا، لم أستطع التعليق أو الإشارة، وكأن رقيبًا ولد للتوّ، وعليّ بالمقابل مراقبة كل حركة، وقد يكون للتماسك وضبط النفس ضرورة قصوى، هكذا يتحتّم إبراز صورة المرأة الثقة، كما هي في ذاكرة الرجل، فهو يستطيع التمييز منذ اللقاء الأول، بينها وبين الأخريات، اللواتي لا ضوابط عندهن في مواقف كهذه.

حين نهض، بدا ساهمًا بعض الشيء، أو أن أمرًا ما يشغله، ثم راح في شرود قصير، هاجمتني لهفة لها علاقة بالحب، وكأنني سأنتقل دفعة واحدة، وعبر كل الأزمان، لأقف عند لحظة ما، أصبح أجرأ وأكثر ثقة، فأشعر بعينيه تتدفّقان، لا أنتظر مبادرته، فأنا سأصبح هو، الذي يسكن بي، ولأنه أنا سيرى ذلك في عيني، وقد أعبّر عن ذلك بكل ثقة، ألم يكتشف ذلك حتى الآن؟ يجب أن يفعل، وبعد ذلك سألقي رأسي على كتفه، وكأنني أريد لحظة العناق، التي حلمت بها طويلًا.

سألته: ـ ما بك؟

أجاب: ـ لا شيء. عدا فكرة تشغلني لها علاقة بالعمل.

كان عملنا في مقر واحد، أذكر أولى اللقاءات التي لم تتعد النظرة، ولم تشكّل انتباهًا لكلينا، وتطوّر ذلك ليصبح السلام الصباحي من ضرورات العمل، ومع تكرار اللقاء، فرض علينا نمط جديد في إلقاء الكلمات السريعة، يبدو منشغلًا كما يحدث معي، أمر لم أكن أتوقّعه خلال تلك الفترة، وهو ذلك الاعتياد الذي رحت أفتقده، فأصاب بالقلق، وأنشغل إلى أن أطرح السؤال بمزاح شديد، عن سبب تأخّره، فيجيب بمزاح أشدّ، فهو يجرّب لهفتي واشتياقي، وكم عزوت ذلك إلى تقارب عمرينا، حيث كنا نتخطّى الأمور الصغيرة، لتجمعنا التطلّعات الواحدة، والحلم الواحد، ونخضع لمتطلّبات العمل الواحد، ونكتشف في كل يوم السلبيات أو الإيجابيات المشتركة، لنخوض غمارها باستمرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت