بغير ما اكتسبوا أنه لم يكن ذلك لسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به فقال: {فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} أي ظاهرًا واضحًا لا شك في كونه من البهتان والإثم. انتهى بتصرف يسير.
فما الذي فعلتُه أو آذيتُ به المتبرجة حتى تؤذيني بتبرجها أو تفتني وتؤثمني به؟! فقد يقول قائل: هلا غضضت بصرك كما أُمرت بذلك، فأقول: أنا أقر بذنبي وأسأل الله تعالى أن يغفر لي وأن يعينني على غض البصر، ولكنها بتبرجها هيجت الأنظار إليها فهي السبب الرئيس، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي عند شرحه لحديث: إِذَا اسْتَعْطَرَتِ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِىَ كَذَا وَكَذَا قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا» - الذي مر بنا آنفا- قال رحمه الله: لأنها هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينيه فهي سبب زنى العين فهي آثمة. (8/ 58) ، فلو أنها التزمت اللباس الشرعي التي أُمرت به لضعفت الفتنة بها، وسأسأل ربي أن يأخذ لي حقي من كل متبرجة فتنتني فجعلتني انظر إليها - ان كان لي حق في ذلك - وأسأله أن يهدي أخواتي المتبرجات للاقلاع عن هذه المعصية الكبيرة، وقد يقول قائل: كما سألت لنفسك المغفرة فما الذي يمنع المتبرجة أن تسأل لنفسها المغفرة؟! فأقول: لا يمنعها شيء، ولكن لتعلم أن للمغفرة أسبابها وشروطها كما بينها العلماء استنادًا لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والتي منها: الندم، والاعتراف والاقرار بالذنب، والتوبة والاستغفار، والاقلاع عنه، والعزم على ألا تعود إليه والتستر بستر الله وغيرها من شروط، فلتنظر المتبرجة هل حققت هذه الشروط أم لا؟! حتى تكون ممن ينالها عفو الله، فهل هي أقلعت عن التبرج وامتثلت قول الله تعالى في سورة الاحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) فهي مأمورة باللباس الذي يستر جميع الجسد فلايصف ولايشف وغيرها من شروط، لا ما تفعله بعض النساء فتغطي شعر رأسها فقط وتظن بتزيين الشيطان أنها حققت الستر المطلوب وابتعدت عن التبرج المحرم.
وكذلك ما الذي فعلتُه أو آذيتُ به المدخن حتى يؤذيني بدخان سيجارته؟! فقد يقول قائل: هلا خرجت من المكان الذي فيه المدخن، فأقول: بل هو المخالف مرتكب المعصية الذي يجب عليه الخروج والاستتار بمعصيته، وهو الذي يجب عليه أن يبعد أذاه عن الناس، فشريعة رب العالمين ثم جميع الأعراف والأنظمة تأمره أن يبعد أذاه عن الناس، فبأي حق يأمرني المدخن بالخروج من مكاني حتى يتسنى له أن يفعل مايريد، وسأسأل ربي أن يأخذ لي حقي من كل مدخن آذاني بدخان سيجارته - ان كان لي حق في ذلك - وأسأله الهداية لأخواني المدخنين.
ألا يخشى المدخن أو المتبرجة أنه قد يحق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ» . قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِى يَاتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَاتِى قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ» . رواه مسلم، فسيحاسب الله الانسان على ظلمه وتعديه على الآخرين سواء بالشتم أو بالضرب أو بأي صورة من صور الظلم التي عددها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث والتي قد يكون منها الأذية بالتبرج المحرم أو بدخان السيجارة المحرمة، فالظلم ظلمات يوم القيامة ... .
وليكن مقالي هذا نصيحة لاخواني المدخنين وأخواتي المتبرجات للتوبة والرجوع الى الله، وليعلموا جميعًا أن ليس الشأن شأن معصية قد مضت، بل الشأن أخطر من ذلك فهو حساب على الذنب وعلى النتائج والآثار المترتبة عليه كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) سورة يس، فاذا كان الله تعالى في حساب الحسنات لا يظلم المسلم شيئًا حتى الحسنات التي لايشعر بها