ألا وإنّ مما ابتليت به الأمة في بعض الأمصار من محدثات في طريقة الدعاء أو في ألفاظ الأدعية حتى رأينا وسمعنا ألوانا منها صعب علينا إحصاؤها فضلًا عن إنكارها، وربما توارثها الناس جيلًا بعد جيل إلى أن استقر الأمر عند بعضهم أنها من السنة وهي ليست كذلك، فإذا تُركِت قال: تُركت السنة، قال ابن مسعود - رضي الله عنه: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة فإذا غُيرَت قالوا: غُيرَت السنة» قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: «إذا كثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة [ وتفقه لغير الدين ] » . رواه الدرامي (1/64) والحاكم (4/514-515) بسند صحيح.
فمن تلك الأمور المحدثة:
أولا: التغني بالدعاء والتطريب والتلحين وهو أمر مُحدَث ويدل لذلك:
1-أنّ الأصل في العبادات المنع والتوقف لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة: «مَن أحدَثَ في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رَد» رواه البخاري، فليس المنع مقتصرًا على أصل العبادة فحسب بل حتى في صفتها ووقتها وعددها وزمنها ومكانها وهيئتها، ولا دليل على صفة التغني بالقنوت فكيف نتعبد الله بما لم يشرع لنا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه ونقل إلينا .
2-إنّ الأمر بالتغني والترتيل إنما ورد في تلاوة القرآن لما روى البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة: «ليس مِنا من لم يتغن بالقرآن» فلم يقل: تغن بالدعاء، وإنما بالقرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: «زينوا القرآن بأصواتكم» ولم يقل: زينوا الدعاء ...
3-ذَكَرَ شيخ الإسلام أنّ إدخال الألحان في الصلوات هي من طريقة النصارى حيث قال في «الفتاوى» (28/611) : (وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون) اهـ، وخير شاهد على هذا في العصر الحاضر ما تبثه بعض القنوات والإذاعات من الأدعية البدعية والابتهالات الملحنة .