أم ترى واعظنا يزعم أن النصارى لا يقاسون شيئا من هذا، بل يعيشون في جنة عرضها كعرض السماء والأرض يأتيهم فيها رزقهم بكرةً وعشيًّا دون أن يخرجوا من بيوتهم بل دون أن يغادروا فراشهم، وكل ما عليهم أن يفعلوه هو أن يتمطَّوْا بدلالٍ يليق بأهل السعادة من ساكنى الجنان ويفتحوا أفواههم وهم مستلقون على ظهورهم فيتساقط الطير مشويا في حلوقهم ومعه ما لذ وطاب من العصائر الحلوة من عرقسوس وتمر هندى وسوبيا ودوم وخرنوب (ولا داعى للكوكاكولا والبيبسى نزولا على حكم المقاطعة لأمريكا) ، وقد هبت عليهم نسائم الفردوس الخَضِلة العَطِرة ودخلت الملائكة عليهم من كل باب:"سلامٌ عليكم بما صبرتم، فنِعْمَ عُقْبَى الدار"، على حين أن المسلمين غائصون حتى أذقانهم في طفح المجارى، وقد انهالت على جلودهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غمِّ أعيدوا فيها:"وذوقوا عذاب الحريق"، وسربلتهم ثياب من زفت وقطران، وليس لهم طعامٌ إلا شجرة الزَّقُّوم، ولا شرابٌ إلا غَلْى الحميم؟ فليكن النصرانى قد غُفِرَتْ له ذنوبه، والمسلم لا، فالواقع الذى لا يكذب هو أن ثمرة هذا أو ذاك لن تظهر إلا في الآخرة، ومن ثم فلا فرق في دنيانا هذه بين حالة الأول وحالة الأخير. وهذا إن صدقنا أن ما يقوله الواعظ صحيح، وهو بكل تأكيد غير صحيح.