ح- طُوبَى لمن يُدرك أن المسيح ليس إنسانًا عاديًّا ولا مجرد نبي، بل هو المشرّع بسلطان الله. ولم يكن ابن مريم محتاجًا لأن يسأل أهل العهد القديم ما هي أسرار الناموس وما هي تفاصيل أحكامه كما أُوحِيَ لمحمد إذ كان في شك مما أُنْزِل إليه- سورة يونس94. أما المسيح فكان الشريعة المتجسد، وطلب الطاعة لنفسه. وهكذا قال: اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ- سورة آل عمران 50. فلم يرشد المسيح البشر إلى التسليم لله فحسب، بل طلب منهم أن يتبعوه مُطبّقين تعاليمه. لذلك يسمي القرآن تلاميذ المسيح بأحسن الألقاب: حواريّين، وأنصار الله، ومسلمين مؤمنين، وخاصة أتباعه. ونقرأ عن أتباعه في سورة الحديد: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً- الحديد 27. وفي سورة آل عمران إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ- آل عمران 55. فيظهر أن أتباع المسيح هم طبقة خاصة مميزة من البشر لأنهم متواضعون ولا يستكبرون، كما هو مكتوب في سورة المائدة: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ- المائدة82. إن هذه الشهادة القرآنية تدل على أعظم آية من آيات المسيح.