فهرس الكتاب
حتى قال عنه الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله-: (كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث، يحيى بن معين خلقه الله لهذا الشأن، يُظهر كذبَ الكذابين) .
وقال أبو حاتم الرازي: (إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يُبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب) [1] . ويحيى بن معين هو صاحب المنهج العظيم في تلقي العلم ونشره، إذ يقول كلمته التي صارت دستورَ المحدثين والعلماء، في التحصيل والأداء: (إذا كتبت فقمِّش-أي: اكتب كل ما تسمع واجمعه-وإذا حدَّثْت ففتش) .
ولهذا قال علي بن المديني شيخ البخاري في (العلل) :(انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين، وقال عبد الخالق ابن منصور: قلت لعبد الله بن الرومي: سمعتُ بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى ابن معين ويقول: حدثني من لم تطلع الشمس على أكبر منه، فقال ابن الرومي: وما تعجب؟ سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله، وما نعلم أحد من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين.
قال محمد بن نصر المروزي: سمعت يحيى بن معين يقول: كتبت بيدي ألفَ ألفِ حديث [2] . قال الذهبي: يعني بهذا العدد المكرر من الحديث الواحد، ألا تراه قال: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه) [3] ...
(1) -وكان ابن معين إذا حج ذهب إلى مكة من طريق المدينة، وإذا رجع من مكة رجع عن طريق المدينة، فلما رجع في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، دخل المدينة قبل الحج في أواخر ذي القعدة، وأصابه المرض فمات لسبع ليال بقين من ذي القعدة، فتسامع الناس بقدومه وموته، وأخرج له بنو هاشم الأعواد-أي: السرير-التي غُسِّل عليها رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فَغُسِّل عليها، وصلى عليه الناس ودفن في البقيع، وكان الناس يقولون: (هذا الذي كان يذب الكذب على رسول الله) . (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:36/37) .
(2) -يعُد المحدثون كل خبر أو: كلمة من كلام الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أو: كلام الصحابي، أو: فتواه، أو: التابعي، أو: فتواه، حتى تفسير لفظة غريبة، أو: لفظة مبهمة، أو: نحوَ ذلك، إذا (رُوي) بالسند: حديثًا. فهذا العدد الكبير على هذا المعنى . كما بينت في كتابي: (قناص الفوائد) . وبينه فضيلة شيخنا محمد بو خبزة في كتابه القيم (جراب الأديب السائح، وثمار الألباب والقرائح) ، وشيخنا عبد الفتاح أبو غدة في كتابه القيم: (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:35) .
(3) -وقد خلَّف يحيى بن معين من الكتب مائة قِمَطر، وأربعة عشر قِمَطْرًا، وأربعة حِباب شَرَابِيَّةٍ مملوءةً كتبًا. (السير) (11/81) ، و (تذكرة الحفاظ) (2/429-وما بعدها) ، و (تهذيب التهذيب) (11/282) ، و (شرح الإحياء) (1/359) ، و (من أخلاق العلماء) (ص:153) ، و (المنهج الأحمد) (1/95) ، (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:178/179/306) ، و (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:36) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (2/86) . والقمطر كالقمطرة: سَفَطٌ يُسَوَّى من قَصَب تصان فيه الكتب. وجاء في (تهذيب التهذيب) (11/282) ترجمة يحيى بن معين: (قال محمد بن نصر الطبري، دخلت على ابن معين، فوجدت عنده كذا وكذا سَفَطًا، وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد ههنا، وأشار بيده إلى الأسفاط، فهو كذب) . وقوله: (شرابية) منسوبة إلى (الشراب) الذي يوضع فيها، وغير المسلمين يضعون فيها الشراب أي: الخمر، يُعَتِّقونها السنين الطوال، لتكون أكثف وأخبث.