روى الإمامان البخاري (3456) ومسلم (2669) في صحيحيهما من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جُحر ضب لاتبعتموهم» قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» .
دل هذا الحديث على أن هذه الأمة ستتبع طريق المغضوب عليهم والضالين، فلم يقع اليهود والنصارى في شيء من المخالفات إلا ومن هذه الأمة من يقع فيما وقعوا فيه، وهذا يعني أن طوائف من شرار هذه الأمة سوف تتشبه بالكفار قطعًا، فحذرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من اتباع سبيل أولئك الذين تركوا الحق اتباعا لأهوائهم لفساد إرادتهم أو جهلا منهم لفساد علمهم.
فما من انحراف في هذه الأمة إلا وأصله يرجع إلى تشبه باليهود أو النصارى كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) ، وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أُمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية.
فمن ترك الحق عنادا واستكبارا أو اتباعا لهواه فقد تشبه باليهود، ومن تركه جهلا وتكذيبا بما لم يحط بعلمه فقد تشبه بالنصارى، ولذا قال علماء السلف: من ضل من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن ضل من عبادنا ففيه شبه بالنصارى.
ومن احتقر العلماء الراسخين الذين يأمرون الناس بالقسط وبخسهم حقهم وربما آذاهم أو قتلهم فقد تشبه باليهود، ومن غلا فيهم واعتقد عصمتهم واتخذهم أربابا من دون الله يحلون ويحرمون بلا دليل ويحرفون الشريعة فقد تشبه بالنصارى.
ومن كان لهم علم ومعرفة بلا عبادات ولا أخلاق حسنة فقد تشبهوا باليهود، ومن كان لهم عبادات وأخلاق بلا علم ومعرفة فقد تشبهوا بالنصارى.