الصفحة 107 من 145

موعظة

إن العجب كل العجب من إنسان عاقل أخبر أنه سيسلك طريقًا شائكا وعرا مليئا بالمخاوف والمزعجات والمهالك وأن عليه أن يتصور هذه المخاوف والمخاطر والمهالك ويتصور آثارها على مستقبله الأبدي والذي أخبره أصدق القائلين وأوفى الواعدين الذي أحاط بكل شيء علمًا.

ومع ذلك تراه غافلا لا اهتمام له بذلك منصرفا عن الابتعاد عن هذه المهالك والمزلات الفظيعة ومشتغلا بالدنايا والأمور التافهة من شئون الدنيا الملعونة الملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه.

وما أصيب الإنسان بمرض أشد من الغفلة الذي ربما تحول إلى جمود وقسوة ثم إلى لجاج وعناد ثم إلى كفر وجحود نسأل الله تعالى العافية.

ومن أكبر الأدلة على حمق الإنسان وغباوته وجهله أنه يكد ويشقى من أجل مستقبل مهما طال فلن يجاوز الثمانين غالبًا وإن تجاوزها فهو كالمعدوم.

ومع هذا فيهمل إهمالا كليا أو جزئيا العمل من أجل مستقبل لا نهاية له مستقبل الأبد مستقبل الخلود فيالها من خسارة لا عوض لها ولا جبر منها ولا أمل في تلافيها.

فيا أيها الغافل انتبه واستعد لما أمامك وتصوره تصورًا صحيحًا يظهر أثره في جدك واجتهادك فيما يقربك إلى الله لا يفاجئك الأمر وأنت غافل فيفوتك زمن الأمكان وتندم وتحسر قال تعالى وتقدس: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} .

وقال الله جل وعلا: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} ، وقال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} ، وقال تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} ، وقال تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} الآيات.

إن الذين غمر الإيمان قلوبهم واستحوذت معرفتهم على مشاعرهم ووجدانهم هم الذين أيقنوا بلقاء ربهم وسماع الحكم منه في مصائرهم، هؤلاء هم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم الله ينفقون.

الذين قال الله تعالى مخبرًا عنهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت