الصفحة 79 من 145

فصل

ثم اعلم أن الدنيا بأسرها وبجميع لذاتها لا تساوي في باب السعادة واللذة الروحية شيئا.

قال الإمام علي - رضي الله عنه: أصاب الدنيا من حذرها وأصابت من أمنها، وقال الدنيا لا تصفو لشارب ولا تبقي لصاحب ولا تخلو من فتنة ولا تنكشف إلا عن محنة.

فأعرض بقلبك عنها قبل أن تعرض عنك واستبدل بها خيرًا منها قبل أن تستبدل بك فإن نعيمها متحول وأحوالها متنقلة ولذاتها فانية وتبعاتها باقية.

واعلم أن مثل الدنيا كمثل الحية لين مسها قاتل سمها فاقتصد فيما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها وكن أحذر ما تكون لها وأنت آنس بها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه ذلك إلى مكروه أو غرور.

وقال آخر: وجملت الأمر أنك إذا نظرت بعقلك أيها الرجل فعلمت أن الدنيا لا بقاء لها وأن نفعها لا يفي بضرها وتبعاتها من كد البدن وشغل القلب في الدنيا والعذاب الأليم والحساب الطويل في الآخرة الذي لا طاقة لك به.

فإذا علمت ذلك جدًا زهدت في فضول الدنيا فلا تأخذ منها إلا ما لا بد لك منه في عبادة ربك وتدع التنعم والتلذذ إلى الجنة دار النعيم المقيم في جوار رب العالمين الملك القادر الغني الكريم وعلمت أن الخلق لا وفاء لهم، قال الواصف لحال أهل وقته:

غَاضَ َاْلوَفَاءُ فَما تَلْقَاهُ فِيْ عِدَّةً ... وأعْوَزَ الصِّدْقَ فِيْ الأخْبَار والقَسَم

وعلمت أن مؤنة الخلق أكثر من معونتهم فيما يعنيك وتركت مخالطتهم إلا فيما لا بد لك منه تنتفع بخيرهم وتجتنب من ضرهم وتجعل صحبتك لمن تربح في صحبته ولا تخسر ولا تندم على خدمته، وأنسك بكتابه وملازمتك إياه.

فَشَمِّرْ وَلُذْ بالله واحْفَظْ كِتَابَهُ ... فَفْيهِ الهُدَى حَقًا ولِلْخَيْرِ جَامِعُ

هُوَ الذَّخْرُ لِلْمَلْهُوفِ والكَنْزُ والرَجَا ... ومِنْهُ بِلا شَكٍ تُنَالُ المَنَافِعُ

بِهِ يَهْتَدِي مَنْ تَاهَ فِيْ مَهْمَهِ الهَوى ... بِهِ يَتْسَلَّى مَنْ دَهَتْهُ الفَجَائِعُ

فترى منه كل جميل وإفضال وتجده عند كل نائبة في الدنيا والآخرة كما في الحديث: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك» ، وفي رواية: «تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت