فرغ عم علي من الصلاة، ثم جلس في مكانه في الجامع، لم يستطع التحرك. كان يعرف أن في انتظاره عند رجوعه إلى"الخيمة"زوجته وأولاده، الذين سوف يسألونه في لهفة مثل كل مرة، بل ربما أشد في هذه المرة، عما فعله لهم!! وضع عم علي خديه على يديه وجلس شاردا يفكر في حل لمشكلته التي طالما أرقته!!
ولم يفق عم علي من همومه إلا ويدٍ تربت على ظهره، وصوت إمام الجامع يسأله عن حاله، قائلا:
-خيرا إن شاء الله! إنك تجلس هكذا منذ حوالي الساعة. ما الذي أهمّك إلى هذا الحد؟!
أخذ عم علي يقص على إمام الجامع قصته وهو يغالب دموعه التي أخذت تنهال على وجنتيه. وبعد أن فرغ من قصته، بادر الإمام بالسؤال:
-ألا تدري من يكون عنده شقة لي تأويني وتأوي زوجتي وأولادي؟ أو من يتوسط لي لدى ذوي النفوذ لكي يعطيني شقة؟
قال الإمام في صوت ملؤه الإيمان العميق:
-نعم اعلم!!
فسأله عم علي متلهفا:
-ومن يكون؟!!
قال إمام الجامع:
-الله!!! الله عنده مفاتيح الرزق جميعها. قم وصلي لله في جوف هذه الليلة وابتهل إليه أن يعطيك من رزقه الواسع، وسوف تجد الحل إن شاء الله.
وتساءل عم علي متشككا:
-الله عنده شقق لها مفاتيح؟!!
قال إمام الجامع بصوته العميق:
-الله عنده كل شيء، وسوف يرزقك من فضله إن شاء. كل ما عليك أن تصدُق الله في سؤالك، وتدعوه في جوف الليل!! ألم تسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه، والذي فيه أن ربنا تبارك وتعالى ينزل نزولا يليق بجلاله وكماله، إلى السماء الدنيا كل ليلة إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، فيقول سبحانه: هل من سائلٍ فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفرٍ فاغفر له؟ وذلك حتى ينفجر الصبح.
خرج عم علي من الجامع إلى خيمته. واجه أفراد أسرته هذه المرة بوجه غير الذي كان يأتيهم بهم في كل مرة. أحست أم محمود هذه المرة بالتغير الذي حدث لعم علي. وسألته:
-لعلك وجدت حلا أخيرا لمشكلتنا؟