فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 90

وتجلى موقف كراتشكوفسكي من الحضارة العربية الإسلامية في كل ماكتب، وكتابه (مع المخطوطات العربية) يعتبر سيرة ذاتية له، إلا أننا نستطيع أن نعتبره الأثر الفني الذي قدم فيه بتنوع وغزارة مواقفه المختلفة تجاه العديد من القضايا المتعلقة بالشرق العربي الإسلامي، وأنه من خلال هذا الكتاب قدم موقفًا شاملًا من الشخصية العربية الإسلامية ومن الحضارة والتراث العربي الإسلامي.

إن كراتشكوفسكي من خلال المخطوطات لا يستعيد الماضي فقط، ولا يتعامل معه كحقبه ميته منقطعة عن الحاضر، وإنما يجعل الحياة تنبعث من ثنايا المخطوطات، كما تنبعث من شخصياتها، ضمن ظروفها التاريخية وفي تعامله مع هذه المخطوطات، ينبثق إحساس العالِم العميق بالمسؤولية العلمية التاريخية التي تحتم عليه الموضوعية في التعامل مع التراث الإنساني بغض النظر عن جنس ودين مبدعي هذا التراث. يقول: (فما إن تتذكر هذه المخطوطات أو تهم بالحديث عنها، حتى تهب على الفور سلسلة من الأشخاص من القرون البعيدة الماضية، ومن الأعوام القريبة من حياتك الخاصة) [1] .

ويقول (المخطوطات تهمس وأنا أدقق النظر فيها باهتمام) [2] .

إن كراتشكوفسكي يقوم بعملية إحياء واستحضار للماضي، وربط بين الحاضر والماضي ولكنه ليس الإحياء بغرض استمرارية هذا الماضي في الزمن الحالي، وإنما إحياء غايته وضع كل حادثة في ظروفها التاريخية. إن العالِم يربط حياته بعمله العلمي ويجعله المتحكم الوحيد في حياته، ولكن المخطوطات تكون أحيانًا عنيدة وتجد نفسك عاجزًا عندما تسألك بقوة وتحكم (ومن ذا الذي سيتحدث بعدك عن هذا؟ أترى أعطيناك الحق في أن تطوي هذا بانطوائك، إنها أوامر العلم الخالد على مدى القرون أوامر جدية ولسوف تنحني لها إرادتك في آخر الأمر) [3] .

(1) مع المخطوطات.

(2) ص 27 المصدر السابق.

(3) ص 213 نفس المصدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت