والجهل بغوائلها وعواقبها يحمل الإرادة لها والازدياد منها، لأن من أحب شيئا أحب الكون معه، والإزدياد منه، ومن كان مشغوفا بالدنيا محبا لها حريصا عليها قد خدعته بزخرفها وأمالته برونقها وسحرته بزينتها، كيف يريد مفارقتها، أم كيف يحب مزايلتها، هذا أمر ما أجرى الله العادة به ولا حدثنا عنه.
بل تجد من كان على هذه الصفة أعمى عن طريق الخير أصم عن داعي الرشد، قليل الرأي سيء النظرة، ضعيف الإيمان، لم تترك له الدنيا ما يسمع به، ولا ما يرى الحقائق بواسطته.
إنما دينه وشغله وحديثه دنياه لها ينظر ولها يسمع ولها يعطي ولها يأخذ قد ملأت عينه وسمعه.
فتجده قد طول أمله ومد المسافة بين يديه فإن كان شابًا قال أنا صغير والوقت بين يدي وأسعى وأبني حتى أبلغ ستين سنة أو سبعين سنة.
وأنا محتاج إلى الزواج والزوجة تحتاج إلى نفقة وكسوة وإذا حصلت الزوجة وجاء الأولاد احتاجوا إلى أشياء كثيرة وهذا إنما يحصل بالمال وإن لم يكن مال لم أصل إلى المطلوب والمرغوب.
وإن قعدت عن الطلب احتجت إلى الناس وإذا احتجت إلى الناس استخف بي واحتقرت كما قال القائل:
والمرءُ لا يَصْغُرُ مِقَدَارُهُ ... إلا إِذَا احْتَاج إِلَى النَاس
آخر:
مَنْ عَفَّ خَفَّ على الطريق لِقَاؤُهُ
وأَخُوْكَ مَنْ وَفَّرْتَ مَا في كَفِّهِ ... وأخُو الحَوائِج وَجْهُهُ مَمْلُوْلُ
ومَتَى عَلِقْتَ بِهِ فأنْتَ ثَقِيْلُ
وانظر إلى فلان قد اكتسب، وجمع واغتنى وتزوج، وتنعم وتمتع وظفر بالمراد ووصل إلى ما أراد.
ولا يخطر بباله فيقول فلان كان شابًا مثلي وأراد ما أرت وسعى فيما سعيت فاخترمته المنية، ومات قبل أن يصل إلى مراده.
ولا يقول فلان طلب الدنيا واجتهد في تحصيلها فلما اجتمع له ما اجتمع سرق ما تعب به أو اعتدي عليه فغصب ما جمع وأخذ منه بالقوة.