الصفحة 62 من 169

وربما وعد نفسه ومناها وطمعها في التوبة ورجاها، وقال إذا جئت من هذه السفرة، وإذا فرغت من عمارة الدار، أو إذا جمعت ما كان متفرقًا أو نحو ذلك لتفرغت للنظر لنفسي، وقدمت ما أجده في رمسي، وكنت من داري إلى المسجد، ومن المسجد إلى داري، ولا أنظر في شيء، ولا أشتغل في شيء.

فإذا جاء من سفره تجهز لسفر آخر، وإذا فرغ من عمارة داره نظر يما يصلح لها، وإن جمع ماله نظر في تفريقه في الوجه الذي ينميه.

وهكذا يحدث نفسه عن الأموات ولا يحدث نفسه أنه يموت، ويشيع الجنائز ولا يتصور أن جنازته تشيع.

ألا وَكَمَا شَيَّعْتَ يَوْمًا جَنَازَةً ... فأنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُمْ سَتُشَيَّعُ

ويقدر لنفسه العيش الطويل ولا يقدر لها الموت القريب، قد غلب عليه السهو وأطبقه الجهل وسدت عليه الغفلة طرق الإنابة وصرفته عن أسباب الفكرة.

شعرًا:

لِمَن وَرْقَاءُ بالوَادِي المَرِيْعِ

على فَيْنَانَةٍ خَضْراءَ يَصْفُوْ

تُرَدِدُ صَوْتَ باكِيَةٍ عليها

فَشَتَّتَ شَمْلَهَا وأَدَالَ مِنه

عَجِبْتُ لَهَا تَكَلَّمُ وهْيَ خَرْسَا

فَهِمْتُ حَدِيْثَهَا وفَهِمْتُ أَنِّي

أَتَبْكِي تِلْكَ أنْ فَقَدَتْ أنِيْسًا

وَها أنَا لَسْتُ أبكِيْ فَقْد نَفْسِيْ

ولَوْ أنِّي عَقَلْتُ اليَوْمَ أمْرِيْ

ألا يَا صَاحِ والشكْوَى ضُرُوْبٌ

لَعَلَّكَ أنْ تُعِيْرَ أخَاكَ دَمْعًا ... تَشُبُّ بِهِ تَبَارِيْحَ الضُلُوعِ

على أعْطَافِهَا وَشْيُ الرَّبِيْعِ

رَمَاهَا الموتُ بالأَهْلِ الجَمِيْعِ

غَرَامًا عَاثَ في قَلْبٍ صَرِيْعِ

وتَبْكِي وهْيَ جَامِدَةُ الدُّمُوْعِ

مِن الخُسْران في أمْرٍ شَنِيْعِ

وتَشْربُ منه بالكَأْسِ الفَظِيْعِ

وتَضْيِيْعِ الحَيَاة مَعَ المُضِيْعِ

لأَرْسَلْتُ المَدامِعَ بالنَّجِيْعِ

وذِكْرُ المَوتِ يَذْهَبُ بالهُجُوْعِ

فما في مُقْلَتَيْهِ مِن الدُمُوْعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت