فهرس الكتاب
يترك الخطأ أثره الواضح عند من يرقبه، وقد تكون مشاعره جياشة فيولد وقوع الخطأ لديه أثرًا قد يغفل فيه عن الأسلوب الأمثل في التعامل معه، وهو موقف طبعي في النفس الإنسانية، ولعل من أمثلة ذلك ما وقع لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حالات عدة.
ومنها قصة الأعرابي الذي بال في المسجد وهي مشهورة في السنة؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -:»دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين« [1] .
ومثله حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: إن فتى شابًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه فقال:»ادنه « فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال:» أتحبه لأمك ؟«... - إلى أن قال:فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء [2] .
ففي هذه النصوص نظر الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى عظم الخطأ فتعاملوا معه بما يرون أنه يليق به، أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى أمر أبعد من ذلك، ألا وهو أثر ذلك على صاحب الخطأ نفسه [3] .
(1) رواه البخاري (220) ورواه مسلم (284) من حديث أنس -رضي الله عنه-
(2) رواه أحمد (21708) 5/257
(3) كثير من المتحدثين يحتجون بهذه الأحاديث وغيرها، ويشددون على الذين يقعون في هذا الخطأ، ويغفلون عن أن الصحابة رضوان الله عليهم وقعوا في ذلك، وإن كانت الحجة في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله، إلا أن وقوع مثل ذلك من الصحابة يدل على أن الأمر لايخلو منه بشر، واعتراضنا على هؤلاء ليس منصبًا على مطالبتهم للدعاة بالرفق، إنما ينصب على أن نطالبهم بأن يرفقوا هم فيمن يطالبونه بالرفق كما رفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصحابة الذين وقعوا في التعنيف.