وقيل:"إنه كان سبب موت يزيد بن معاوية أنه كانت قردة له على أتان له وركب هو خلفها وجعل يركض بالقردة / فسقط. فاندقت عنقه وانقطع في جوفه شيء أوجب موته وهي خاتمة سوء" [1] [2] , لقبح أفعاله, ومناسب لحركاته الذميمة وحاله.
[113/أ]
وقيل:"إن عبد الله بن أحمد بن حنبل [3] رحمه الله تعالى سأل أباه فقال: أتحب يزيد فقال: يا بني وهل يحب يزيد من كان يؤمن بالله واليوم الأخر؟ فقال له: أفتلعنه؟ فقال: ألعن من لعنه الله, فقال: وهل لعنه الله, فقال: قال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } محمد: 22 - 23, ثم قال: يا بني أي قطيعة أشد من القتل وحسبه إثمًا, وخزيًا, ... ما جرى في ولايته, وعلى يده, من حصار مكة شرفها الله تعالى, ونصب المنجنيق ... على الكعبة الشريفة , وإخافة أهل المدينة, وكسر حرمتها, وقتل أهل الحرة, وهم عظماء قريش من المهاجرين, والأنصار, وقتل الحسين وأهل بيته -صلوات الله عليهم وسلامه- ظلمًا, وتعديا, قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } النساء: 93" [4] [5] .
(1) انظر: أنساب الأشراف برقم (769) (5/ 287) , والبداية والنهاية (8/ 286) .
(2) أورد هذه الروايات ابن كثير من غير سند ثم قال:"وذكروا عنه غير ذلك, والله أعلم بصحة ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم.", البداية والنهاية (8/ 258) .
(3) عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال عنه الذهبي: الإمام، الحافظ الناقد، محدث بغداد، أبو عبد الرحمن ... ابن شيخ العصر الإمام أحمد بن حنبل, الذهلي الشيباني، المروزي ثم البغدادي، ولد سنة (213 هـ) ، لم يكن أحد في الدنيا أروى عن أبيه منه، روى عن أبيه شيئًا كثيرًا، من جملته المسند كله، والزهد, توفي وعمره سبع وسبعون سنة. انظر: السير (13/ 516 - 526) .
(4) أوردها ابن مفلح في الآداب الشرعية وقال:"إن صحت الرواية", (1/ 290) , ونفى ثبوتها شيخ الإسلام في المنهاج (4/ 475) .
(5) قد أورد ما ثبت عن الإمام أحمد في ذلك برواية أخرى مغايرة لمتن هذه الرواية, ونفى ثبوت هذه الرواية شيخ الإسلام رحمه الله في المنهاج, ورد عليها فقال عن ما زعمه الرافضي:"وأما ما نقله ... عن أحمد، فالمنصوص الثابت عنه من رواية صالح أنه قال:"ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟ [لما قيل ... له: ألا تلعن يزيد؟ فقال: ومتى رأيت أباك يلعن أحدا؟] , وثبت عنه أن الرجل إذا ذكر الحجاج ونحوه من الظلمة وأراد أن يلعن يقول: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) } هود: 18، وكره أن يلعن المعين باسمه. ونقلت عنه رواية في لعنة يزيد وأنه قال: ألا ألعن من لعنه الله، واستدل بالآية، لكنها رواية منقطعة ليست ثابتة عنه، والآية لا تدل على لعن المعين، ولو كان كل ذنب لعن فاعله، يلعن المعين الذي فعله؛ للعن جمهور الناس. وهذا بمنزلة الوعيد المطلق، لا يستلزم ثبوته في حق المعين ... إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه، وهكذا اللعن. وهذا بتقدير أن يكون يزيد فعل ما يقطع ... به الرحم. ثم إن هذا تحقق في كثير من بني هاشم الذين تقاتلوا من العباسيين والطالبيين، فهل يلعن هؤلاء كلهم؟ وكذلك من ظلم قرابة له لا سيما وبينه وبينه عدة آباء، أيلعنه بعينه؟ ثم إذا لعن هؤلاء لعن كل من شمله ألفاظه، وحينئذ فيلعن جمهور المسلمين. وقوله تعالى: قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } محمد: 22 - 23, وعيد عام في حق كل من فعل ذلك، وقد فعل بنو هاشم بعضهم ببعض أعظم مما فعل يزيد. فإن قيل بموجب هذا لعن ما شاء الله من بني هاشم: العلويين والعباسيين وغيرهم من المؤمنين", (4/ 574 - 575) , وأورد رواية مهنا في الفتاوى أنه قال:"سألت أحمد عن يزيد بن معاوية ... بن أبي سفيان. فقال: هو الذي فعل بالمدينة ما فعل قلت: وما فعل؟ قال: قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهبها, ثم قال شيخ الإسلام: فيذكر عنه- أي الإمام أحمد- الحديث؟ قال: لا يذكر عنه حديث. وهكذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره. وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد: فيما بلغني لا يسب ولا يحب. وبلغني أيضا أن جدنا أبا عبد الله ابن تيمية سئل عن يزيد. فقال: لا تنقص ولا تزد. وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها", (4/ 483) , والملاحظ أن الرافضي ينقل أن السؤال كان من مهنا, والمصنف هنا يقول: كان من عبد الله ... بن أحمد, والصحيح الثابت أيضا عن أحمد في السنة عند الخلال معاضد لما أشار إليه شيخ الإسلام عن هذه الرواية, ولا يسلم منها إلا ما كان في حق أهل المدينة وهو داخل في مظالم يزيد, فقد روى الخلال ذلك في السنة فقال:"أخبرني محمد بن علي قال: ثنا مهنى قال: سألت أحمد عن يزيد ... بن معاوية بن أبي سفيان؟ قال: هو فعل بالمدينة ما فعل؟ قلت: وما فعل؟ قال: قتل بالمدينة ... من أصحاب النبي وفعل. قلت: وما فعل؟ قال نهبها, قلت: فيذكر عنه الحديث. قال: لا يذكر ... عنه الحديث, ولا ينبغي لأحد أن يكتب عنه حديثا. قلت: لأحمد ومن كان معه بالمدينة حين فعل ما فعل. قال: أهل الشام. قلت له: وأهل مصر قال لا إنما كان أهل مصر معهم في أمر عثمان رحمه الله",- وقال محققه إسناده صحيح- برقم (845) , - وقال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالب حدثهم قال سألت أبا عبدالله من قال: لعن الله يزيد بن معاوية, قال: لا أتكلم في هذا, قلت: ما تقول؟ فإن الذي تكلم به رجل لا بأس به, وأنا صائر إلى قولك, فقال: أبو عبدالله قال: النبي لعن المؤمن كقتله, وقال: خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, وقد صار يزيد فيهم, وقال: من لعنته أو سببته فاجعلها له رحمة, فأرى الإمساك أحب لي", -قال محققه إسناده صحيح- برقم (846) , وأورد الخلال قوله في هذه المسألة فقال:"قال أبو بكر الخلال: وبعد هذا الذي ذكر ... أبو عبد الله من التوقي لِلَّعنة، ففيه أحاديث كثيرة, لا يخفى على أهل العلم ومن كتب الحديث ... إذا أنصف في القول، وقد ذكر عن ابن سيرين وغيره أنهم كانوا يقولون:" {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) } هود: 18, إذا ذكر لهم مثل الحجاج وضربه"، ونحن نتبع القوم ولا نخالف، ونتبع ما قال الحسن وابن سيرين، فهما الإمامان العدلان في زمانهما، الورعان، الفقيهان، ومن أفاضل التابعين، ومن أعلمهم بالحلال والحرام، وأمر الدين، ولا نجهل ونقول: لعن الله من قتل الحسين بن علي، ولعن الله من قتل عمر، ولعن الله من قتل عثمان، ولعن الله من قتل عليا، ولعن الله من قتل معاوية ... بن أبي سفيان، فكل هؤلاء قتلوا قتلا، ويقال: لعنة الله على الظالمين، إذا ذكر لنا رجل من أهل الفتن، وعلى ما تقلد أحمد بن حنبل من ذلك، وبالله التوفيق"برقم (848) , ولم أقف على من رواه ... عن عبد الله بن أحمد كما ذكر المصنف, ولعله وهم, والله أعلم.