فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 84

معه زوجه هاجر وولدها إسماعيل وهو طفل صغير في مهده .. وهي ترضعه .. حتى وضعهما عند مكان البيت .. وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء .. فوضعها هنالك .. ووضع عندهما جرابًا فيه تمر .. وسقاء فيه ماء ..

ثم قفى عليه السلام منطلقًا إلى الشام ..

فتلفتت أم إسماعيل حولها .. في هذه الصحراء الموحشة .. فإذا جبالٌ صماء وصخورًا سوداء .. وما رأت حولها من أنيس ولا جليس ..

وهي التي نشأت في قصور مصر .. ثم سكنت في الشام في مروجها الخضراء .. وحدائقها الغناء .. فاستوحشت مما حولها ..

فقامت .. وتبعت زوجها .. فقالت: يا إبراهيم . . أين تذهب .. وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء ؟

فما رد عليها .. ولا التفت إليها .. فأعادت عليه .. أين تذهب وتتركنا .. فما ردَّ عليها ..

فأعادت عليه .. وما أجابها .. فلما رأت أنه لا يلتفت إليها ..

قالت له: الله أمرك بهذا ؟ قال: نعم .. قالت: حسبي .. قد رضيت بالله .. إذن لا يضيعنا .. ثم رجعت ..

فانطلق إبراهيم الشيخ الكبير .. وقد فارق زوجه وولده .. وتركهما وحيدين ..

حتى إذا كان عند ثنية جبل .. حيث لا يرونه .. استقبل بوجهه جهة البيت .. ثم رفع يديه إلى الله داعيًا .. مبتهلًا راجيًا ..

فقال:"ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون"..

ثم ذهب إبراهيم إلى الشام ..

ورجعت أم إسماعيل إلى ولدها .. فجعلت ترضعه وتشرب من ذلك الماء ..

فلم تلبث أن نفد ما في السقاء .. فعطشت .. وعطش ابنها .. وجعل من شدة العطش يتلوى .. ويتلمظ بشفتيه .. ويضرب الأرض بيديه وقدميه ..

وأمه تنظر إليه يتلوى ويتلبط .. كأنه يصارع الموت ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت