فهرس الكتاب
وقال في الفنون: لقد عظم الله الحيوان لاسيَّما ابن آدم حيثُ أباحهُ الشرك عند الإكراه وخوف الضرر على نفسه، فقال جل وعلا: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} .
من قدَّم حرمة نفسك على حُرمته حتى أباحَكَ أن تتوقى وتُحامي عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه.
فحقيق أن تعظم شعائرهُ وتوقِّر أوامرهُ وزواجرهُ.
وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع مسلم في سرقته.
وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأقام مسح الخُفِّ مقام غَسْل الرجل إشفاقًا عليك من مشقة الخلع واللبس وأباحك الميتة سدًا لرمقك وحفظًا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحدٍ عاجل ووعيدٍ آجلٍ، وخرق العوائد لأجلك وأنزل الكتب إليك.
أيحسنُ بك مع هذا الإكرام أن ترى على ما نهاك مُنهمكًا وعمَّا أمرك مُتنكبًا وعن داعيه مُعرضًا ولسنته هاجرًا ولداعي عدُوك فيه مُطيعًا.
يُعظمُك وهُو هُوَ وتهمِلُ أمره وأنت أنتَ وهو حطَّ رُنب عباده لأجلك وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدةٍ يسجدُ لأبيك.
هل عاديت خادمًا طالت خدمته لك لترك صلاة، هلْ نفيتهُ من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب نهى، انتهى.
قلت: وفي وقتنا هل أخرجت الملاهي والمنكرات من بيتك؟ هل منعت الأجانب والأجنبيات سوَّاقين وخدَّمات من بيتك؟
فائدة
كُلما قويت حاجةُ الناس إلى الشيء ومعرفته يسر الله أسبابه، كما يُيسرُ ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد.
فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهوى أعظم منها إلى الماء كان مبذولًا لكل أحد في كل وقت.