فهرس الكتاب
وقال بعضهم: لمْ أرَ أوْعَظَ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلمَ من الوَحْدَةِ.
فقيل له: قد جاء في الوحدةٍ ما جاء، قال: لا تُفسدُ إلا جاهلًا.
قيل: كان مبدؤ توبة داود الطائي أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر وهي تقول:
مُقِيْمٌ إلى أنْ يَبْعَثَ اللهُ خَلْقَهُ ... لِقَاؤُكَ لا يُرْجَى وأنْتَ قَريبُ
تَزَيْدُ بلىً في كُلِّ يَومٍ وَلَيْلَةِ ... وتُسْلَى كَمَا تَبْلَى وأنْتَ حَبيْبُ
آخر:
لكُل أناس مقبرٌ بفِنَائهم ... فَهُمْ يَنْقصُونَ والقُبُورُ تَزيدُ
فهُم جِيْزَةُ الأمَواتِ أمَّا مَزَارَهُم ... فَدَانٍ وأمَّا المُلْتَقَى فبَعِيْدُ
وكان بعضهم إذا وافق أخاه في الله قال: نقصت الأعمارُ بعدك، واقتربت الآجالُ ما فعل جيرانك (يعني أهل القبور) ، ولعلَّ مسكنه قريب من المقبرة، قلت: وفي عصرنا من الذي فاز في الكورة؟ وما الذي ظهر في التلفاز؟
كأنْكَ لم تَسْمَعْ بأخْبَار مَن مَضَى ... ولمْ تَرَ في الباقينَ مَا يَصْنَعُ الدهرُ
فإنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ دِيَارُهُم ... عليها مِجَالُ الريحِ بَعْدَك والقَطْرُ
وهَل أبْصَرَتْ عينَاكَ حيًّا بمَنْزِلٍ ... على الأرضِ إلا بالفَنَاءِ لَهُ قَبْرُ
وأهَلْ الثَّرَى نَحْو المَقَابرِ شُرّعٌ ... ولَيْسَ لَهم إلا إلى ربِّهمْ نَشْرُ
على ذاكَ مَرّوا أجْمَعُونَ وهَكَذا ... يَمُرُّونَ حتّى يَسْتَرِدَّهُم الحَشْرُ
فلا تَحْسَبنَّ الوفْرَ مَالًا جَمْعْتَهُ ... ولَكِنَّ ما قَدَّمْتَ مِن صالحٍ وَفْرُ
ولَيْسَ الذي يَبْقَى الذي أنتَ جَامِع ... ولكنَّ مَا أوْلَيْتَ منه هُو الذُّخْرُ
قَضَى جَامِعُوا الأمْوالِ لم يَتَزودَّوا ... سِوَى الفَقْرِ يَا بُؤسًا لِمَنْ زَادُهُ الفَقْرُ
بَلى سَوْفَ تَصَّحُو حِينَ يَنْكَشِفُ الغَطَا ... وتَذْكُرُ قَولَي حِيْنَ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ
وما بَينَ ميْلادِ الفَتى وَوَفَاتِهِ ... إذا نَصَحَ الأقوامُ أنفسَهم عُمْرُ
لأنَّ الذي يَأتي كَمِثْلِ الذي مَضَى ... وما هُو إلا وقتُكَ الضيّق النَّزْرُ
فصَبْرًا على الأوقَاتِ حتى تُحوزَهَا ... فعمَّا قَليْل بَعْدَها يَنْفَعُ الصبرُ