، قال: قال لي الشافعي -رحمه الله-: (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره ، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس ) ) (1) .
والشاذ في اللغة: المنفرد ، يقال: شذّ يَشُذُّ ويشِذُّ - بضم الشين وكسرها - أي: انفرد عن الجمهور ، وشذَّ الرجلُ: إذا انفرد عن أصحابه. وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ. ومنه: هو شاذ من القياس، وهذا مما يشذ عن الأصول،وكلمة شاذة…وهكذا (2) .
إذن: الشذوذ هو مخالفة الثقة للأوثق حفظًا أو عددًا ، وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح (3) ، قال الحافظ ابن حجر: (( يختار في تفسير الشاذ أنه الذي يخالف رواية من هو أرجح منه ) ) (4) .
ثم إن مخالفة الثقة لغيره من الثقات أمر طبيعي إذ إن الرواة يختلفون في مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم من حين تحملهم الأحاديث عن شيوخهم إلى حين أدائها . وهذه التفاوتات الواردة في الحفظ تجعل الناقد البصير يميز بين الروايات ، ويميز الرواية المختلف فيها من غير المختلف فيها ، والشاذة من المحفوظة ، والمعروفة من المنكرة .
(1) رواه عن الشافعي: الحاكم في معرفة علوم الحديث: 119 ، والخليلي في الإرشاد 1/176 ، والبيهقي في معرفة السنن والآثار 1/81-82 ، والخطيب في الكفاية: ( 223 ت ، 141 ه ) .
(2) انظر: الصحاح 2/565 ، وتاج العروس 9/423 .
(3) وإنما قلنا هكذا ؛ لأن للشاذ تعريفين آخرين ، أولهما: وهو ما ذكر الحاكم النيسابوري - أن الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات ، وليس له أصل متابع لذلك الثقة . معرفة علوم الحديث: 119 .
وثانيهما: وهو ما حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني من أن الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به . الإرشاد 1/176-177 .
(4) النكت على كتاب ابن الصلاح 2/653-654 .