الصفحة 148 من 190

كيف كان يربي السلف أولادهم:

حُكيَ أنه كان بالبصرة نساء عابدات، وكان منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثَغر من ثغور الإسلام، فانتدب الناسُ للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيبًا، فحضهم على الجهاد، وكانت أم إبراهيم هذه حاضرة مجلسه، وتمادى عبد الواحد على كلامه، ثم وصف الحور العين، وذكر ما قيل فيهن، وأنشد في وصف حوراء:

غادةٌ ذاتُ دلالٍ ومرحْ يجدُ النَّاعِتُ فيها ما اقترحْ

خُلِقتْ من كل شيءٍ حسنٍ طيِّبٍ فالليْثُ فيها مُطَّرح

ْزَانَها الله بوجهٍ جُمعتْ فيه أوصافُ غريباتِ المُلح

وبعينٍ كُحْلُها من غُنْجِها وبِخَدٍّ مِسْكُهُ فيه رَشَح

ناعمٍ يجري على صفحتِهِ نَضْرَةُ المُلْكِ ولألاءُ الفرح

أَتَرى خاطبَها يسمعُها إذ تُدِيُر الكأسَ طَوْرًا والقَدَح

في رياضٍ مونِقٍ نَرْجَسُها كلما هبَّتْ له الريح ُ نَفَح

وهي تدعوه بِوُدٍّ صادقٍ مُليءَ القلبُ به حتى طَفَح

يا حبيبًا لستُ أهوى غيره بالخواتيم يَتمُّ المُفْتَتَحْ

لا تكونَنَّ كمن جَدَّ إلي مُنْتَهى حاجَتِهِ ثم جَمَح

لا فما يَخْطُبُ مثلي مَنْ سَها إنما يخطب مِثلي مَنْ أَلَح

قال: فماج الناس بعضهم في بعض، واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس، وقالت لعبد الواجد:"يا أبا عبيد، ألستَ تعرف ولدي إبراهيم، ورؤساء أهل البصرة يخطبونه على بناتهم، وأنا أضربه عليهم، فقد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروسًا لولدي، فكرر ما ذكرت من حسنها وجمالها، فأخذ عبد الواحد في وصف حوراء، ثم أنشد:"

تَوَلَّدّ نور النورِ من نور وجهها فمازج طيبَ الطيبِ من خالص العَطرِ

فلو وطئت بالنعل منها على الحصى لأعشبت الأقطار من غر ما قطر

ولو شئت عقد الخصر منها عُقدته كغُصن من الريحان ذي ورق خُضرِ

ولو تفلت في البحر شهد رضابها لطاب لأهل البر شربُ من البحر

يكاد اختلاسُ اللحظِ يجرح خَدَّها بجارحِ وهمِ القلبِ من خارج الستر

فاضطرب الناس أكثر، فوثبت أم إبراهيم، وقالت لعبد الواحد:"يا أبا عبيد، قد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروسًا لولدي، فهل لك أن تزوجه منها"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت