أحرص النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ، ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين" [1] ، وما ذهب إليه الرازي من ترجيح أصح وأولى؛ لأن من أراد أن يخص موصوفًا بصفة ينفرد بها، حتى لا تكاد تذكر في غيره، فإنه يجمع سائر الموصوفين الذين يشاركونه في هذه الصفة، فيفضله عليهم بها، ثم ينتقل بعد هذا التعميم إلى التخصيص، فيذكر من اختصت بهم هذه الصفة حتى كادت تكون وقفا عليهم - وان كانوا داخلين في الأول - فيفضله عليهم أيضا، لينتقل الحكم إلى المفضل الأخير، فإنا إذا قلنا: زيد أشجع الناس، فقد فضلنا زيدًا على الذين يشاركونه في الشجاعة عامة، فكأن قائلًا قال: فأين هو من عنترة؟ فنقول: هو أشجع الناس ومن عنترة، فنكون قد فضلناه على العام والخاص، وان كان عنترة داخلا تحت جنس"
الناس، لكنه لما عرف بالشجاعة احتاج إلى تفضيل زيد عليه منفردًا، لتأكيد دخول عنترة في الأول، وهذا أدل على زيادة جشع اليهود، وفرط رغبتهم وإرادتهم وشرههم زيادة تجاوزت كل الناس، حتى من عرف عنهم شدة حرصهم على الحياة وهم المشركون، فبلغ اليهود بذلك نهاية الحرص على أي حياة ولو ساعة؛ وعلى هذا يكون معنى الآية: لتجدن اليهود أحرص على الحياة من عامة الناس، وأحرص من الذين أشركوا، وإنما افردوا بالذكر؛ لأن حرصهم شديد [2] ، فيكون - سبحانه - قد حكم على اليهود بهذه الصفة الذميمة توبيخا لهم،"إذ هم أهل كتاب يرجون ثوابًا ويخافون عقابًا، وهم مع ذلك أحرص ممن لا يرجو ذلك ولا يؤمن ببعث، وإنما كان حرصهم أبلغ؛ لعلمهم بأنهم صائرون إلى العقاب، فكانوا أحب الناس في البعد منه ... لأن من توقع شرًا كان أنفر الناس منه، فلما كانت الحياة سببًا في تباعد العقاب كانوا أحرص الناس عليها" [3] ، لذلك فإن جعل الواو استئنافية، قطع للمعنى المراد قبل تمامه.
الثالث: أن في الآية الكريمة تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، قال أبو حيان الأندلسي:"فهو معنى يصح، لكن اللفظ والتركيب ينبو عنه ويخرجه عن الفصاحة، ولا ضرورة تدعو إلى أن يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لا سيما من يخص التقديم والتأخير بالضرورة" [4] ، ولأن الله - تعالى- أراد أن يخص
(1) البحر المحيط: 1/ 480.
(2) ينظر: الكشاف: 87.
(3) البحر المحيط: 1/ 480.
(4) البحر المحيط: 1/ 480.