فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 2524

لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ). وفي قوله: «ويشتهون، وتعملون، والمحسنين والمكذبين» جناس غير تام، وسجع مرصّع تتوافق به الفواصل. وقوله: «كلوا وتمتعوا قليلا» تقابل «كلوا واشربوا هنيئا» ، والأولى تقال على سبيل التوبيخ والتقريع، فاستحقوا أن يقال لهم «مجرمون» ، والثانية على سبيل التكريم والأنس. والسؤال: فما كان دليل جرم الأولين؟ والجواب: لم يكونوا يركعون، وهو مجاز مرسل أراد بالركوع الصلاة، فأطلق البعض على الكل. قيل نزلت هذه الآية في ثقيف لمّا امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حطّ عنا الصلاة فإنّا لا ننحنى! إنها مسبّة علينا! فأبى، وقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» . وهذا هو الكلام الذي ليس بعده كلام، تنزّل به القرآن، فإن كذّبوا به مع كل ما اتصف من بيان ووضوح، وحجج بالغة، وبراهين دامغة: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (50) !! فالحمد لله الذي رزقنا القرآن وهدانا إلى الإسلام، له كل الحمد والمنة!

هذه السورة يبدأ بها الجزء الثلاثون من المصحف، وهو المعروف بجزء عمّ، وتسمى سورة عمّ حيث تبدأ بلفظ الاستفهام «عمّ» ، واسمها كذلك سورة النبأ، لأن مدارها «النبأ العظيم» الذي هو يوم القيامة والبعث والنشور، وصفه الله تعالى بالعظمة لأنه نبأ خطير، اختلف أهل مكة من المشركين لما جاءهم، فكانوا بين مصدّق ومكذّب، وجاء وصفه بالعظمة لأنه يوم الفصل، ويوم الميقات المقدور ليحشر الخلق فيه إلى ربّهم، فيفصل بينهم، ويقضى بين الحق والباطل. والسورة مكية، وتتناول لذلك مسائل العقيدة، إلا أن محوّرها هو هذا النبأ المشكل والمحيّر لهم، أي البعث. وتحفل آيات السورة الأربعون بمشاهد من الآخرة، ودلائل على البعث، وبيان عمّا ينتظر المكذّبين والمتقين من عذاب أو نعيم. وترتيب السورة في المصحف الثامنة والسبعون، وفي النزول الثمانون، وتأتي بعد سورة المعارج. وعمّ - التي تبدأ بها - لفظ استفهام، ولذلك سقط منها ألف «ما» ، ليتميز الخبر عن الاستفهام، وأصلها «عن ما» فأدغمت الميم في النون لمشاركتها في الغنّة، وكل ذلك لتفخيم الاستفهام، فهو ليس استفهاما عاديا، لكنه استفهام عن شيء كبير وحدث ضخم، وهو البعث كما سبق. والجواب على الاستفهام بعبارة: (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) (4) ، وفيه ردع وزجر، ويكرر هذا الردع تأكيدا للوعيد وتكريرا للتهويل، ثم يبدأ في سرد الأدلة على «قدرة الله تعالى» التي لا يمكن أن يمارى فيها إلا مكابر، وتستحضر السورة أحد عشر دليلا على هذه القدرة، فالأرض التي نسكنها لم يمهدها ويبسطها للسكنى إلا الله، وهو الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت