فهرس الكتاب
وقال الصوفية: كانت الشجرة محل عصيان آدم في الجنة، وكانت في الدنيا محل إيمان موسى، وشجرة الجنة لها طرح يؤكل وإن كان محرّما، وشجرة موسى كانت عقيما ولكنها كانت هداية لموسى وعلامة على الله تعالى. والشجر كثير في القرآن، ومنه الطيب ومنه الخبيث، والكلمة كالشجرة، ففي سورة إبراهيم: الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربّها، والكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (25/ 26) ؛ وفي سورة الإسراء: يرد عن الشجرة الملعونة (60) ، وقيل هي شجرة الزقوم (الصافات 62) ، تزقم آكلها من مرارتها، وتخرج في أصل الجحيم، وهي آية من الآيات، لأنها شجرة وتحيا في الجحيم وسط النيران، وقيل هي طعام الأثيم؛ وكانت شجرة يونس هي شجرة اليقطين (الصافات 146) ، ظللت عليه بورقها وحفظته من الآفات؛ وفي سيناء تنبت شجرة الزيتون بالدهن وصبغ للآكلين (المؤمنون 20) ؛ والنبيّ صلى الله عليه وسلم بايعه المؤمنون تحت الشجرة، قيل هي شجرة سدر أو سمر. ويقسم الله تعالى بالشجر، وأنه يسجد لله، يعني يطيعه ويسير بقوانينه في النمو والإثمار والظل، ومن طاعته أن يشتعل بالنار رغم ما فيه من ماء. وشجرة موسى فوق كل هذا الشجر جميعه، لأنها شهدت هذا المشهد التاريخى العظيم: مشهد تلقى موسى للرسالة، وصوته تعالى يسرى في الوجود ويدخل - ضمن ما يدخله من موجودات - في ثنايا خلايا الشجرة تتشربه وتحلّ بها البركة، فتوصف عن حق بأنها الشجرة المباركة، وكان ذهاب موسى إليها ليقبس قبسة من نار، فقبس قبسة من هدى.
كانت بموسى رتّة، أي لثغة، أو عجمة، وهي التردد في النطق stammering ، والمصاب بها يقال له أرتّ أو ألثغ. وقولنا عيياء موسى يعني أنه كان حصرا في النطق، تقول عيى عن النطق يعني لم يبن، وفي القصص الشعبي اليهودي أن هذه العجمة به كان سببها أن موسى وهو طفل كان في حجر فرعون ذات يوم، فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فنتفها، فخاف منه فرعون وتشاءم، وكاد يأمر بقتله، لولا أن ذكروا له أنه لا يميز، وأتوا بطستين في أحدهما جمر وفي الآخر تمر، فوضع موسى يده على الجمر ورفع إحداهما إلى فمه فأضرّت لسانه، فكانت تلك الرتة، واحترقت يده وظلت بها علامة الاحتراق. وفي القرآن لما أراد الله أن يبعثه إلى الفرعون، سأل ربّه: (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي(25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)