الصفحة 169 من 180

والمجالس مجتمعات يحضرها أناس من جميع الطبقات، ويتكلم فيها رجال من كافة المستويات، منهم الغث ومنهم السمين ومنهم المصلح ومنهم المفسد، والمسلم من يستطيع أن يدير دفة المجلس لما فيه من خير المتجالسين في دينهم ودنياهم، ولما فيه رضى الله ورسوله، فإن لم يستطع فالإعراض عن ذلك المجلس هو محض الخير وعين الصواب.

قال تعالى:/ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ/ النساء 140.

وقد كان الأنبياء والمصلحون يغشون مجالس الناس فيقعدون معهم بتواضع وإخلاص، يأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، ويذكرونهم بما يصلحهم، ويعظونهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويرغبونهم بالتقوى والعمل الصالح، ويرهبونهم من الكفر والإثم والمعصية والعدوان.

ولا ينبغي للعالم أو المرشد أن يجالس قوما يخوضون في باطلهم، ويرتكبون الذنوب والآثام، غافلين عن الله، ساهين عن عقابه وانتقامه، مغترين بحلمه وإمهاله، إلا كما يجالس الطبيب المريض، والعالم المعلم الغافل الجاهل، بمقدار الحاجة وبما يحقق الدعوة والإصلاح، كما لا ينبغي للمسلم أن يجلس مجلسا تنتهك فيه حرمات الله، وتدور فيه كؤوس اللهو واللغو والمنكرات، يشاركهم فيها أكلهم وشربهم، وضحكهم وبطالتهم، غير مبال بما ينزل على مجلسهم هذا من غضب الله ومقته ..

ويضرب لنا رسول الله /مثلا حيا فيقول:/ لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون/، فجلس رسول الله /ـ وكان متكئا ـ وقال:/ لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا/ ـ أي تعطفوهم عليه ـ. رواه الترمذي عن ابن مسعود [1] .

واليوم قل أن نرى مجلسا يذكر فيه الله والدار الآخرة، بعد أن عمت مجالس الغفلة والمنكرات، وفشت مجالس الغيبة والنميمة والطعن في الأعراض، والإنغماس في المحرمات.

ورب مجلس يقعده المرء مع قوم أشقياء، يصنع لنفسه فيه حلة من الشقاء تلازمه الى يوم القيامة ..

ورب مجلس علم أو ذكر أو نصيحة يرتع فيها الإنسان في روضة من رياض الجنة فلا يخرج منها الى يوم القيامة ..

وعن الصنف الأول يقول رسول الله /:/ ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة/ رواه الترمذي عن أبي هريرة [2] .

وعن الصنف الثاني يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:/ ما جلس قوم يذكرون الله تعالى فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدل سيئاتكم حسنات./ رواه الطبراني عن سهل بن الحنظلية [3] .

(1) ضعيف (ضعيف الترمذي)

(2) صحيح (صحيح الترمذي) وتتمة الحديث"... إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم"

(3) صحيح (صحيح الجامع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت