فهرس الكتاب
«باب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما» ، ولم يقل فضيلة ولا منقبة. علمًا أنه أخرج فيه قول رسول الله r: « اللهم علمه الحكمة» . وهذا لا يختلف عاقل أنه فضيلة عظيمة لإبن عباس t. فهل يفهم أحد من ذلك أن عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم جميعًا- ليس لهم فضائل؟! هذا والله عين التهور.
3-والشبهة الثالثة زعمهم أن النسائي -رحمه الله- ضعَّفَ كل الأحاديث التي في فضل معاوية. ونقول لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وقد بينا في كلامنا عن تشيع النسائي أن هذا خطأ.
4-وشبهتهم الرابعة هي أن الحاكم لم يخرج في مستدركه شيئًا في فضائل معاوية مع ما عرف عنه تساهله في التصحيح. ونقول هاتوا برهانكم أن الحاكم يضعّف الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضائل معاوية t. فهل ترك الحاكم لحديث يعني ضعف ذلك الحديث؟ وقد بينا في كلامنا عن تشيع الحاكم أن هذا خطأ. فهو لم يضعّف الحديث، لكن قلبه لم يطاوعه بسبب تشيعه، فآثر السكوت عن معاوية t. لكنه روى الحديث عنه وصححه على شرط الشيخان وترضى عنه.
5-ولعل أطرف شبهاتهم هي المقولة المنسوبة للإمام أحمد بن حنبل. فقد أخرج ابن الجوزي من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي ما تقول في علي ومعاوية؟ فاطرق ثم قال: «اعلم أن عليًا كان كثير الأعداء. ففتش أعداؤه له عيبًا فلم يجدوا. فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيادًا منهم لعلي» . قلت هذه قصة عجيبة لم أقع على إسنادها. وابن الجوزي صاحب أوهام كثيرة. فهو يحتج بروايات موضوعة، وربما ينسب إلى الوضع أحاديث صحيحة ربما أخرجها البخاري ومسلم. وقد ذكرنا في ترجمته أقوال العلماء فيه وأنه لا يعتد كثيرًا بنقله.
والقصة على أية حال ليس لها علاقة بموضوعنا، بل إن حشرها هنا من الطرف فعلًا. فإن الإمام أحمد -على فرض صحة القصة- قد أشار إلى أن أعداء علي t قد وضعوا أحاديث في فضائل معاوية t. وهذا شيء معروفٌ مسلّمٌ به، بل والعكس صحيح كذلك. فقد وضع شيعة علي الكثير من الأحاديث في ذم معاوية، وكلها موضوعة. ووضعوا الكثير الكثير في فضائل علي أكثر بأضعاف مما وضع النواصب في فضائل معاوية. قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب"الإرشاد" (1>420) : «قال بعض الحفاظ: تأمّلتُ ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته، فزاد على ثلاثمئة ألف» . وعلق على هذا الإمامُ ابن القيم في المنار المنيف (ص161) : «ولا تستبعد هذا. فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال» . قلت ولعل العدد أكبر من هذا، لو راجعنا كتبهم. فكان ماذا؟ هل نقول أنه لم يصح في فضائل علي t شيء لأن أكثر ما يروى في ذلك موضوع؟ سبحانك ربي، هذا بهتان عظيم. ولو كان أحمد يعتقد أن تلك الأحاديث موضوعة لما أخرجها في مسنده.
أما عقيدة إمام أهل السنة والجماعة في عصره أحمد بن حنبل فقد كانت واضحة جدًا في الترضي عن معاوية t والإنكار على من يذمه. قال الخلال في كتابه السنة (2>460) : أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة وهو يعقوب، فقال يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان من علي ومعاوية رحمهما الله؟ فقال أبو عبد الله: «ما أقول فيها إلا الحسنى رحمهم الله أجمعين» . إسناده صحيح. و قال الخلال في"السنة" (#654) : أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني (ثقة فقيه) قال: قلت لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي r: « كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي؟» . قال: بلى! قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: «نعم، له صهر ونسب» ، قال: وسمعت ابن حنبل يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية!» .
و قد ذكر إبن عساكر لطيفةً أحب أن أذكرها هنا، و هو أن العبد الصالح عمر بن عبد العزيز قال: «رأيت رسول الله r - أي في الرّؤيا-، و أبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلَّمت و جلست. فقال لي: «إذا وُلِّيْتَ من أمور الناس، فاعمل بعمل هذين: أبي بكر و عمر» . فبينا أنا جالس إذ أتي بعلي و معاوية، فأدخلا بيتًا و أجيف عليهم الباب، و أنا أنظر. فما كان بأسرع أن خرج علي و هو يقول: «قُضِيَ لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله» . ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية و هو يقول: «غُُفِرَ لي و ربُّ الكعبة يا رسول الله!» . القصة أخرجها ابن عساكر في