ومن ثم يتبين للباحث مدى الرحمة الواسعة التي منحها الإسلام ورسول الإسلام، للبشر المخالفين للإسلام، فقرر أن الشرع أن التعامل يكون بالحوار، والدعوة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ويخص الإسلام أهل الكتاب بهذا الفضل، فهم أهل كتاب، وأخوة في الإنسانية، فالإسلام لا ينهانا أن نبر ونحسن إلى اليهود والنصارى ما داموا لم يقاتلون المسلمين في الدين ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم، ونداء المسلم دائمًا لأهل الكتاب أن"تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ".
المطلب الثاني: الإسلام يرفض المركزية الحضارية:
ونعتقد مع ذلك أن الإسلام كدين وحضارة عندما يدعو إلى الحوار مع الآخر.. ينكر (المركزية الحضارية) التي تريد العالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى، فالإسلام يريد العالم (منتدى حضارات) متعدد الأطراف، يريد الإسلامُ لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند؛ في كل ما هو مشترك إنساني عام . وإذا كان الإسلام دينًا عالميًا وخاتم الأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يرمي إلى (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدين واحد.. إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله تعالى في الكون، قال تعالى: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلََكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىَ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48] .وقال أيضًا: { وَلَوْ شَآءَ رَبّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] [هود: الآية 118 } (1) .
(1) انظر: حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007