فهذه نتائج العصبية الجاهلية الممقوتة كادت أن تُودِي بوحدة المسلمين في المدينة لولا أن تداركهم الله برسوله ( فأطفأ نار الفتنة , ولكن هذه العصبية فرقت وحدة الأمة الإسلامية بعد ذلك فتجزأت إلى دويلات صغيرة وأصبح بأسهم بينهم شديدا , وليس عندهم الإيمان القوي الذي عند الأوس والخزرج حتى يلبوا نداءه ويتأسفوا على مابدر منهم , وليس عندهم القادة الربانيون الذين يستطيعون التأثير عليهم , وإن كانوا قد ثابوا إلى الإيمان في بعض الفترات إلا أنه على نطاق ضيق .
وبالأمس القريب قامت من الدولة العثمانية شبه وحدة إسلامية حيث انتظمت هذه الدولة أكثر بلاد الإسلام حتى أصبحت أكبر دولة في العالم وأصبحت الأمم الأخرى ترهبها , ولطالما حاولت التناوش معها ولكنها باءت بالفشل والخيبة أمام ذلك البناء القوي المتماسك , فعرفت الدول الغربية أخيرا كيف تضرب على الوتر الحساس حيث أشعلت نار العصبية بين العرب والأتراك فاستجاب بعض العرب لتلك الصيحات الأثيمة , وقادوا أنفسهم إلى الهلاك كما تنقاد الخراف إلى مذابحها , ووثقوا بعدوهم الكافر ناسين قول الله عز وجل [الممتحنة: 1] وقوله تعالى [النساء:144] وتخلقوا بأخلاق المنافقين الذين قال الله عنهم [النساء: 138 - 139] ورددوا هتافات عدوهم نحو القومية العربية الممقوتة ضد إخوانهم المسلمين , ولو رجعوا إلى دينهم وتعقلوا لعرفوا أن هذه القومية البغيضة أسلاك شائكة تعزلهم عن العالم الإسلامي كله الذي يفتح لهم صدره ويتجه نحوهم ويعدُّهم القادة والموجهين , ولكنه سجن حديدي أحكم إغلاقه أعداء الإسلام بدعاياتهم وخططهم المنظمة ساعدهم في تنفيذ ذلك الرعاع من العرب الذين توصلوا إلى مرتبة القيادة تحت ستار الغفلة والنوم العميق الذي أصاب الأمة العربية منذ قرون .