و إنَّ مِن جُملةِ ذلك و ضمائمه نعمةَ الصيامِ، التي آنسَ بها قلوبَ المحبين، فصارتْ بلذتها هُجِّيرَا السالكين، و حَضَوا بها القُرْبَ من الربِّ، فنالوا طُهرةَ النفسِ و القلبِ، فَهوَ من العبادات التي أقبلوا عليها فأكثروا منها، و أداموا ملازمتَها، و حقَّقُوا فيها صفاءً لنفوسِهم، و تطهيرًا لقلوبهم، و تكثيرًا لأعمالهم، و لا عجبَ فإن البابَ الذي يُدخل منه إلى القُرْبِ من اللهِ تعالى قَطْعُ الغذاءِ، و قطعه أفضلَ ما يكونُ بالصومِ، لأن الأكلَ و مَلءَ المَعدَةِ بالطعام بِهِ تنامُ الفكرةُ، و تَخْرُسُ الحكمة، و تقعُدُ الأعضاءِ عن العبادة، فلهذا كان الحرْصُ على الصيامِ، و ملازمةِ الجُوعِ بِهِ.
فأدركَت الأرواحُ الشريفة العالية فضيلةَ الصوم، فانبعثَتْ نحوه لزومًا له النفوسُ الرفيعة، فكانتِ الدُّنيا كُلَّها صيامَ المُتَّقين، و رمضانَ الصادقين، فكانوا يصومونها و يَجعلونَ فِطْرَهم الموتُ، فللهِ نفوسٌ طاهرةٍ كهذه النفوس، و إنما شأنها كما قال الأولُ:
وَ إِذَا حَلَّتِ اَلْهِدَايَةُ قَلْبًَا *** نَشِطَتْ لِلعِبَادَةِ الأَعْضَاءُ
فتاقَتْ بعد ذلك لكلِّ زمانٍ يُمكنُها الصيامُ فيه، و أفضلُ أزمنتِهِ الشهر المبارك العظيم، شهرُ رمضان، فعرفوا له قدرَه، كما عرفوا للعبادِةِ ذاتها قدرَها، فقالوا عنه:
جَاءَ شَهرُ الصِّيامِ بالبَرَكاتِ *** فَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ زَائِرٍ هُو آتِ
إنَّ بلوغَ المرءِ هذا الشهرَ العظيم، و قيامَه بهاتيك العبادة الشريفةِ فيه، لَمِنْ أعظم نِعَمِ اللهِ عليه، و من أجلِّ مِنَنِه إليه، فكم مِنْ محرومٍ منها، و كمْ مِنْ باديءٍ بِها عساهُ أن لاَّ يُتِمَّها، و كم و كم.
فليَعرِفِ المرءُ نعمةَ اللهِ عليه و ليَشْكُرْه عليها، و الشكرُ عليها رعايتها و صيانتُها من الخللِ و الزللِ، و العنايةُ بها على أتمِّ وجهٍ و أكملِه.