ثانيا: الإيجاز:
هذا الشعار مكون من ست كلمات فقط , هي على الترتيب:
(لبيك - اللهم - شريك - الحمد - النعمة - الملك)
ولا شك أن اختيار الشعار أمر بالغ الصعوبة , حيث يستوجب تمام المناسبة بينه
وبين الجمع , وبينه وبين الحدث القائم على الأرض.
كما ينبغي فيه الإيجاز الشديد حتى يسهل على الجميع ترداده , ويحسن فيه التكرار
والعموم وسهولة اللفظ , فهذه كلها مقتضيات حال تفرض على النص إطارا خاصا , فأنت
في جمع لا يوجد مثيل له على وجه الأرض , وهو جمع تتعدد أجناسه بحيث لا تعدم
جنسا , أو لغة , أو عرقا , فحيثما بحثت عن لغة أو جنس أو عرق ستجد له طائفة ,
ثم إنك في بقعة مكانية محدودة , وفترة زمانية محدودة , ثم قبل هذا وبعده لا تنس
أن هذا الجمع الغفير جاء ليتعبد لله تعالى , ومن أول أولوياته تلاحم هذه الجموع
حتى تصير في وجودها الزماني والمكاني كالجسد الواحد , وهذا يعني أن هذه
الجموع تحتاج إلى رابط لفظي تستشعر من خلاله معاني الوحدة , كما تستشعرها في
أفعال الجسد من طواف وسعي ووقوف ورمي.
إن العيون حين تنظر إلى الجموع وهي تطوف , ثم تسعى .... إلخ تستشعر معنى
الأمة الواحدة , والجسد الواحد , لكن هذا الشعور يظل غائما حتى تصرخ به الألسنة
, فينطق العربي والعجمي هذه الكلمات التي يفهمها البعض ويجهلها البعض , وتخرج
الأصوات عالية من كل لسان لتصنع مظلة تحف الجميع , فلا يسمع إلا \"لبيك اللهم"
لبيك \"وعندها يكتمل بنيان التوحد , ويرتفع صرح الأخوة شامخا , يستشعر من"
خلاله كل مسلم أن الذي يقف بجواره هو أخوه , وإن تباعدت أوطانهما واختلفت
لغتهما , وتباينت ألوانهما , لكنهما في النهاية جسد واحد جمعتهما عقيدة واحدة ,
وظهر هذا التوحد في حركة الجسد بالأفعال , وصوت النشيد في التلبية.
وكان مقتضى الحال أن يوجز النشيد إيجازا شديدا , حتى يسهل على الجميع إحكامه ,
ونطقه , وحفظه.
كما أن الإيجاز اقتضاه أيضا اعتبار الشعار عنوانا ولافتته يلتف حولها
الأفراد , ومن خصائص العناوين الإيجاز الشديد , فكلما كانت اللافتة موجزة كان
النداء بها أقوى , والتفاف الجميع حولها أسرع.
والعنوان رمز ينبغي إيجازه , حتى يُحفظ , فالعنوان هو الرسالة الإعلامية التي
تنقل إلى الناس كافة , وشأن مثل هذه الرسائل الإيجاز الشديد.
ثالثا: سهولة الألفاظ:
لقد سعى كثير من العلماء إلى اختراع لغة عالمية , أرادوا من خلالها تيسير
التخاطب , والاتصال على سكان العالم , أو هكذا زعموا.
ومع أن هذه المحاولات باءت بالفشل إلا أن الفكرة التي أرادوا تحقيقها مازالت
قامة , وهي اختراع لغة سهلة تسرع إلى العقول , ويسهل حفظها , وتعلمها ,
وتعليمها , لغة قائمة على السهولة في الألفاظ , والبساطة في التراكيب , والوضوح
في الأغراض ,والذي دعاهم إلى هذا التفكير هو صعوبة التواصل عند الاجتماع , وسوء
الفهم عند الالتقاء.
وعليه فينبغي أن نستحضر هذا المقام ونحن نحلل شعار التلبية , فأنت في مقام
يجمع كل أجناس الأرض , وكل لغات الأرض , وكل ثقافات الأرض , وعليه فلا بد من
لغة مشتركة , تجمع هؤلاء على أهداف ومقاصد مشتركة , مثل التراحم , والتعاطف ,
والتواصل , والأخوة , واستشعار معنى الجسد الواحد.