فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 61

فقال الغلام: أيها الأمير! إن دخولي عليك لم يضرّك وقد شرفني، والقوم أتوك بحاجاتهم، وهي بين طيّ ونشر. فإن شئت طويتها وانصرفنا، وإن شئت نشرتها.

فقال: انشرها.

فقال الغلام: لقد أصابتنا ثلاث سنين عجاف، سنة أكلت اللحم، وسنة أذابت الشحم، وسنة دقت العظم، وقد بلغنا أنَّ لديك فضول أموال. فإن كانت للناس فوزعها عليهم، ولا يحقُّ لك حبسها عندك، وإن كانت لله فوزعها على عباده، فما كان لله فهو لعباده، وإن كانت لك فتصدَّق بها على المحتاجين، والله يجبُّ ويجزي المحسنين.

فقال: والله ما تركت لي مخرجا، ولا حجة، ولا حيلة. وأعطاهم ما يريدون، وفرض له مبلغًا، ردَّه الغلام على قومه، ولم يرض أن ينفرد به.

وهذا الشاعر البحتري يرى غلامًا في مجلس الأمير، وحوله الشعراء ينشدون شعرهم، فسأل البحتري الغلام: ما وجودك هنا بين الشعراء؟!

قال: إنني أتقن الشعر، فأراد البحتري أن يمتحنه فقال: أتمم هذا الشطر، واجعله بيتًا من الشعر:

ليتما بين من أحب وبيني

فقال الغلام: أتريد القرب أم البعد؟

فقال: فإن أردتُ القربَ فما تقول؟

قال: أقول:

ليتما بين من أحب وبيني مثل ما بين حاجتي وعيني

قال البحتري: فإن أردتُ البعد فما تقول؟

فقال الغلام: أقول:

ليتما بين من أحب وبيني مثل ما بين ملتقى الخافقين [1]

فأعجب البحتري بذكاء الغلام، وحدَّث الأمير- وأظنه المتوكل- فأحسن إليه، وأكرم أهله.

ألا إنَّ في الأطفال طاقات عظيمة يجبُ أن ننميها، ونحسن تغذيتها، وتدريبها، وتوجيهها لتغدوَ كما نريد في مستقبلها، فإنَّ حياة الطفل أو الشاب حياة فخمة، ليست حياة فرد؛ بل مستقبل أمّة، فاعتبروا يا أولي الأيصار.

الفصل الرابع عشر

أبوة

لعمر بها، الأميري

أين الضجيج العذب والشغب؟! أين التدارس شابه [2] اللعب؟!

أين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتب؟!

أين التباكي دونما غرضٍ؟! أين التشاكي ماله سبب؟!

(1) (( الخافقان ) ): الشرق والغرب.

(2) (( شابه ) ): خالطه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت