فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 12

و الأمانةُ العلمية هنا ترتكزُ على قاعدة مهمةٍ وهي: التدرُّجُ ، و هو التنقُّلُ من الفاضل إلى الأفضل ، و من الصغير إلى الكبير ، و ذلك عبرَ مَدْرَجٍ معروفٍ في السلك التعليمي ، و أشار إلى ذلك العلامة ابنُ خلدون"المقدمة" ( ص / 531-532) فقال _ رحمه الله _: اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدريج ، شيئًا فشيئًا و قليلًا قليلًا ، يُلْقي عليه أولًا مسائل من كل باب في الفن هي أصول ذلك الباب ، و يقرِّبُ له في شرحها على سبيل الإجمال و يُراعي في ذلك قوة عقله و استعداده لقبول ما يُورَدُ عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن ، و عند ذلك يحصل له ملَكَةٌ في ذلك العلم إلا أنها جزيئة و ضعيفة .

وغايتها أنها هيأته لفهم الفن وتحصيل مسائله . ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفى الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته . ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصًا ولا مبهمًا ولا منغلقًا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته .

هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات ، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه . وقد شاهدنا كثيرًا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانًا على التعليم وصوابًا فيه ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله فيخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت