فهرس الكتاب
واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعها إلي طعمة بن أبيرق، وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، فهمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل، فأنزل الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ} الآية.
المعنى: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس، إلا ما استثنى وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه، ثم استثنى الله تعالى من النجوى التي هي المسارة في الحديث أمورًا ثلاثة، أحدها، فقال: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي من مال أو علم أو أي نفع كان، وقيل: المراد صدقة الفرض، وقد ورد الأمر بالصدقة والحث عليها، قال الله تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} ، وقال: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} .
وحث - صلى الله عليه وسلم -، فعن جابر قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} إلى آخر الآية: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} والآية في الحشر: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: «ولو بشق تمرة» ، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كتفه تعجز عنها، بل