فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 6

وأوجز وأعظم ما ورد في تعليل هذه الرحلة هو قوله تعالى: { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا } [ الإسراء: 1 ] وهذه سنة الله في الأنبياء، قال: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } وقال لموسى عليه السلام: { لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى } [ طه: 23 ] ، وقد بين مقصود هذه الإراءة بقوله: { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } فبعد استناد علوم الأنبياء إلى رؤية الآيات يحصل لهم من عين اليقين ما لا يقادر قدره، وليس الخبر كالمعاينة، فيتحملون في سبيل الله ما لا يتحمل غيرهم، وتصير جميع قوات الدنيا عندهم كجناح بعوضة لا يعبأون بها إذا ما تدول عليهم بالمحن والعذاب .

والحكم والأسرار التي تكمن وراء جزئيات هذه الرحلة إنما محل بحثها كتب أسرار الشريعة، ولكن هنا حقائق بسيطة تتفجر من ينابيع هذه الرحلة المباركة، وتتدفق إلى حدائق أزهار السيرة النبوية ـ على صاحبها الصلاة والسلام والتحية ـ أرى أن أسجل بعضًا منها بالإيجاز:

يرى القارئ في سورة الإسراء أن الله ذكر قصة الإسراء في آية واحدة فقط، ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود وجرائمهم، ثم نبههم بأن هذا القرآن يهدى للتى هي أقوم، فربما يظن القارئ أن الآيتين ليس بينهما ارتباط، والأمر ليس كذلك، فإن الله تعالى يشير بهذا الأسلوب إلى أن الإسراء إنما وقع إلى بيت المقدس؛ لأن اليهود سيعزلون عن منصب قيادة الأمة الإنسانية؛ لما ارتكبوا من الجرائم التي لا مجال بعدها لبقائهم على هذا المنصب، وإن الله سينقل هذا المنصب فعلا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ويجمع له مركزى الدعوة الإبراهيمية كليهما، فقد آن أوان انتقال القيادة الروحية من أمة إلى أمة؛ من أمة ملأت تاريخها بالغدر والخيانة والإثم والعدوان، إلى أمة تتدفق بالبر والخيرات، ولا يزال رسولها يتمتع بوحى القرآن الذي يهدى للتى هي أقوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت