فهرس الكتاب
ولندرس هذا من ناحية أخري. لقد شغلت مسألة هامة الذهن الإنساني من أقدم العصور ، وهي كيفية إجبار الناس علي سلوك طريق الحق ، فإذا افترضنا أن بعض أفراد المجتمع قد منحوا سلطة سياسية من أجل تحقيق هذا الهدف ، فمن الممكن أن يمتنع الرعايا خوفا من العذاب. ولكن ما الذي يدفع أولئك الذين يتمنعون بالسلطة السياسية إلي تحقيق العدل والإنصاف؟ ولو أننا استنجدنا القانون ، واستصرخنا المحكمة ، فكيف إذن يمكن أن نبلغ بهما تلك الأماكن التي لا تخضع للشرطة والقانون؟ ولو أننا خضنا معارك الدعاية وناشدنا أهل الشر أن يكفوا عن الجرائم ، فمن ذا الذي ينصت إلينا؟ ويتخلى عن فائدة يجنيها دون كلفة؟ إن رهبة عقاب الدنيا لن تنجح في قمع انحرافات الإنسان ؛ فنحن جميعا نعرف أن الكذب ، والرشوة ، والمحسوبية ، واستغلال النفوذ ، وما إلي ذلك من الوسائل المعروفة ، سوف تحول دون أي إمكان للعقاب.
إنه لن يفلح شيء في قمع الجرائم غير الدافع المنبعث من داخل قلب الإنسان-الضمير ، الضمير الذي لو دخل إرادة الإنسان فلن يسقطه عامل خارجي أيا كان ، وهذه الميزة غير متاحة إلا في عقيدة الآخرة. . فإن دافعا قويا يكمن في هذه العقيدة ، ويجعل من اتقاء الجرائم مصلحة ذاتية لكل إنسان. إنها مصلحة يهتم بها الجميع ، فالكل رئيسا كان أم مرؤوسا ، في الظلام كان أو في الضوء-ينطلق يفكر في أنه لابد من يوم للقاء الله ، والكل يشعر بأن الله يراه ، وسوف يحاسبه حسابا عسيرا. وهذه الأهمية الكبرى في عقيدة الآخرة هي التي جعلت القاضي ماتيوهالوس (Mathew Halos) ، وهو من كبار قضاة القرن السابع عشر يقول:
(إن القول بأن الدين خدعة ، هو بمثابة إبطال لجميع المسئوليات التي تقع علي عاتقنا لاستقرار النظام الاجتماعي(96 ) ) .