الأسير الذى ينفعه هو الأسير الحى، وبذلك قلَّت المجازر وقلَّ أكل الناس بعضهم لحوم بعض كلما زاد نظام الرق اتساعًا. وإذن فقد تقدم الإنسان من حيث الأخلاق تقدمًا عظيمًا حين أقلع عن قتل زميله الإنسان أو أكله، واكتفى من أعدائه باسترقاقهم؛ وإنك لترى تطورًا كهذا يتم اليوم على نطاق واسع، إذ أقلعت الأمم الظافرة عن الفتك بالعدو المغلوب، واكتفت باسترقاقهم عن طريق التعويض الذى تكبّدهم إياه. ولما استقر نظام الرق على أسسه. وبرهن على نفعه، أخذ يزداد نطاقه بأن أضيف إلى الرقيق طوائف أخرى غير الأسرى، فأضيف إليهم المَدِينُون الذين لا يُوفَون الدَّيْن، والمجرمون الذين يعاودون الإجرام، هذا إلى إغارات تُشن عمدًا لاجتلاب الرقيق؛ وهكذا كانت الحرب بادىء الأمر عاملًا على نشأة الرق، ثم أصبح الرق عاملًا على شن الحرب.
ولعل نظام الرق حين امتدت به القرون قد أكسب الجنس البشرى تقاليده وعاداته من حيث العمل، فلن تجد بيننا أحدًا يُقدم على عمل شاق عسير إذا كان في مقدوره أن يتخلص منه بغير أن يتعرض لشىء من العقاب البدنى أو الاقتصادى، وإذن فقد بات الرق جزءًا من النظام الذى استعد به الإنسان للقيام بالصناعة، هذا فضلًا عن أنه عمل على تقدم المدنيَّة بطريق غير مباشر، بأن زاد من الثروة فخلق الفراغ لفئة قليلة من الناس، ولما مضت قرون على هذا النظام، جعل الناس ينظرون إليه كأنه نظام فطرى لاغنى عنه، (بهذا قال أرسطو وكذلك بارك القديس بولس: هذا النظام الاجتماعى الذى لابد أن يكون قد بدا لعينيه في عصره نظامًا قضى به الله) !!! (1) انتهى.
وقد عرفت كل الحضارات والأمم السابقة على الإسلام ظاهرة الاستعباد للآخرين على أوسع نطاق ممكن .. فالرق كان موجودًا لدى الفراعنة .. إذ كان الملوك والكهنة وقواد الجيش المصرى القديم يتخذون أسرى الحرب عبيدًا لهم، يستخدمونهم فيما تحتاج إليه الدولة الفرعونية من أعمال كشق الترع وبناء الجسور والمعابد والأهرامات. وعلى خلاف المعروف لدى الأمم الأخرى في تلك الفترة - كما يلاحظ محمد عطية