الصفحة 33 من 180

نعم لأن العقل له دوره وله وظيفته وله قدره، ونور الوحى لا يطمس أبدًا نور العقل كلا بل يباركه ويقويه ويزكيه بشرط أن يسلم العقل مع الكون كله لله رب العالمين ثم لينطلق بعد ذلك مبدعًا في مجاله عن هدى ويقين وهو يعلم أن ما اكتشفه ووصل إليه كان موجودًا مودعًا في هذا الكون منذ آلاف السنين ولكنه ما أكتشفه إلا يوم أن أذن له الله أن يكشف {سنريهم من آياتنا في الأفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [1]

وبعد هذه المقدمة الطويلة نقرر أن الله جل وعلا وحده هو الذى خلق البشر وهو الذى يعلم ضعفهم وعجزهم وفقرهم، ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن بل وما سيكون إلى يوم القيامة لذا رحمة منه بعباده أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين يذكرونهم، ويبصرونهم، ويحاولون استنقاذ فطرتهم، وتحرير عقولهم من ركام الشهوات والشبهات، ويأخذون بأيديهم إلى الحق الذى من أجله قامت الأرض والسموات

ومن ثم"فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدى الرسل، ولا سبيل إلا معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذى على أقوالهم وأخلاقهم توزن الأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها والروح إلى حياتها فأى ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير" [2]

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -"الرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شئ والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأى صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة"

(1) سورة فصلت: 53

(2) زاد المعاد 1/ 69 ط مؤسسة الرسالة الرابعة عشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت