فهرس الكتاب
ومن الخطأ البين كذلك أن تكون نقطة البدء عن طريق دعوتنا الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى التوقف لإصدار الأحكام على الناس بالإسلام أو الكفر وهذه مزلة كبيرة خشى الخوض فيها علماء الأمة وفقهاؤها وحكمنا عليهم - أى على الناس - ليس هو الذى سيدخلهم الجنة أو النار، فليس هذا من شأن العبيد ولكنه من شأن العزيز الحميد جل وعلا فهو وحده المتصرف في شأنهم وشأن الكون كله {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابًا أليما} [1]
وهذا هو شيخ الإسلام والمسلمين القائم ببيان الحق ونصرة الدين، الذى أضحك الله به من الدين ما كان عابسا وأحيا به من السنة ما كان دارسا، ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يقول في مجموعه المبارك:"إنى من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين [2] إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليهم الحجة الرسالية التى من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى، وإنى أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من"إطلاق"القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق بين الاطلاق والتعيين وهذه أول مسئلة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسئلة"الوعيد"فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده"
(1) سورة الإنسان: 31
(2) أى أحد من الناس بعينه