الصفحة 36 من 1745

ولا غرو أن اهتمام هذه المصادر بدخول الصحابة إلى هذه الجهات له مغزاه الخاص، فلقد كانوا ـ رضوان الله عليهم ـ مادة الإسلام الأولى وحملة الكتاب ومعلمين للأجيال الحلال والحرام، والقائمين على حدود الله علما وعملا وتوجيها، لاسيما في معسكرات الجهاد التي كانت يومئذ أشبه بمدارس متنقلة، وكان الرجل يطرق الفسطاط طروقا فيسمع لأهله دويا كدوي النحل [1] .

لقد كانت قراءة القرآن والتهجد به وتعلمه وتعليمه الشغل الشاغل لهم لاسيما في فترات الاستجمام والراحة، ولهذا كان تسجيل دخول الصحابي إلى بلد من البلدان مثار اهتمام خاص. وذلك لما كان يترتب على دخوله من آثار في التعليم والتوجيه وحفز الهمم على التفقه في الدين ومعرفة حدوده وأحكامه، ولذلك كان الاهتمام كبيرا بإرسال هذه الكفاءات مع الجند وانتدابها من لدن الخلفاء للقيام بمهام القيادة والإمامة والتعليم والتوجيه وغير ذلك من الوظائف الدينية.

وقد توجهت همم الفاتحين منذ البداية إلى العمل على تحفيظ القرآن للمغاربة ونشره بينهم وتعميم تعليمه في الجهات والأقاليم، وقد سلكوا لتحقيق ذلك أكثر من سبيل، ويمكن للباحث أن يتمثل عملهم في ذلك فيما أخذوا به من الوسائل التالية:

أ ـ في بعثات التوجيه والإقراء.

ب ـ في تأسيس الربط الجهادية وتعميرها والإشراف على التعليم فيها.

ج ـ في بناء المساجد الجامعة والخاصة وتنصيب الأئمة والمقرئين بها.

د ـ في إحداث مكاتب ومحاضر لتعليم القرآن وتنظيمها وتعميمها.

هـ ـ في العناية باستنساخ المصاحف الشريفة وتجويدها ونشرها.

وسنقف عند كل عنصر منها وقفة خاصة، لإعطاء صورة تقريبية عن عملهم من خلاله دون إفاضة في التفاصيل.

أ

بعثات التوجيه والإقراء في عهد الصحابة والتابعين

(1) - التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت