الصفحة 10 من 445

وأعصاب تنمو وتقوى بالتدريب. . أما إنسان اليوم الذي يبعد عنه يد الله , ويتنكب هداه , فإن كينونته - بكل ما يكمن فيها من قوى - يعلم الله أنها لا تشتمل على قوة مكنونة تملك الاستغناء عن يد الله وهداه. وقصارى ما في قواه أنها ترشد وتضبط وتستقيم برسالة الله. وتضل وتختل وتضطرب إذا هي استقلت بنفسها , وتنكبت هداه!

وخطأ وضلال - إن لم يكن هو الخداع والتضليل - كل زعم يقول: إن العقول الكبيرة كانت حرية أن تبلغ بدون الرسالة ما بلغته بالرسالة. . فالعقل ينضبط - مع الرسالة - بمنهج النظر الصحيح ; فإذا أخطأ بعد ذلك في التطبيق كان خطؤه كخطأ الساعة التي تضبط , ثم تغلبها عوامل الجو والمؤثرات , وطبيعة معدنها الذي يتأثر بهذه المؤثرات , لا كخطأ الساعة التي لم تضبط أصلا , وتركت للفوضى والمصادفة! وشتان شتان!

وآية أن ما يتم بالرسالة - عن طريق العقل نفسه - لا يمكن أن يتم بغيرها ; فلا يغني العقل البشري عنها. . أن تاريخ البشرية لم يسجل أن عقلا واحدا من العقول الكبيرة النادرة اهتدى إلى مثل ما اهتدت إليه العقول العادية المتوسطة بالرسالة. . لا في تصور اعتقادي ; ولا في خلق نفسي , ولا في نظام حياة , ولا في تشريع واحد لهذا النظام. .

إن عقول أفلاطون وأرسطو من العقول الكبيرة قطعا. . بل إنهم ليقولون: إن عقل أرسطو هو أكبر عقل عرفته البشرية - بعيدا عن رسالة الله وهداه - فإذا نحن راجعنا تصوره لإلهه - كما وصفه - رأينا المسافة الهائلة التي تفصله عن تصور المسلم العادي لإلهه مهتديا بهدى الرسالة.

وقد وصل أخناتون - في مصر القديمة - إلى عقيدة التوحيد - وحتى مع استبعاد تأثره في هذا بإشعاع عقيدة التوحيد في رسالة إبراهيم ورسالة يوسف - فإن الفجوات والأساطير التي في عقيدة أخناتون تجعل المسافة بينها وبين توحيد المسلم العادي لإلهه بعيدة بعيدة.

وفي الخلق نجد في الفترة التي هيمن فيها الإسلام في صدر الإسلام نماذج للأوساط ممن رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتطاول إليها إعناق الأفذاذ على مدار التاريخ ممن لم تخرجهم رسالة سماوية.

وفي المبادى ء والنظم والتشريعات لا نجد أبدا ذلك التناسق والتوازن , مع السمو والرفعة التي نجدها في نظام الإسلام ومبادئه وتشريعاته. ولا نجد أبدا ذلك المجتمع الذي أنشأه الإسلام يتكرر لا في زمانه ولا قبل زمانه ولا بعد زمانه في أرض أخرى , بتوازنه وتناسقه ويسر حياته وتناغمها. .

إنه ليس المستوى الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها"العلم"الصاعد. . ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها. . هو التوازن الذي ينشى ء السعادة والطمأنينة , والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة. . والفترة التي عاشت بالإسلام كاملا لم تبلغها البشرية - بعيدا عن الرسالة - في أي عصر. . والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام ; مهما التمعت بعض الجوانب ; ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفى ء جوانب أخرى. وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى. . والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى. (( الظلال ) )

وفي هذا الكتاب أبحاث متعددة حول الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة والرد على المقلدين وعلى المتعصبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت