وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه , فاحكم بينهم بما أنزل الله ; ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق.
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله , ولا تتبع أهواءهم , واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم , وإن كثيرا من الناس لفاسقون) .
ومن مقتضيات أن هذه الأمة هي وارثة الرسالات ; وصاحبة الرسالة الأخيرة , والدين الاخير ; وصاحبة الوصاية والقوامة على البشرية بهذا الدين الأخير. . ألا تتولى من يكفرون بهذا الدين ; ومن يتخذون فرائضه وشعائره هزوا ولعبا. إنما تتولى الله ورسوله , ولا تركن إلى ولاية غير المؤمنين بالله ورسوله. فإنما هي أمة بعقيدتها لا بجنسها , ولا بأرضها , ولا بموروثاتها الجاهلية. إنما هي"أمة"بهذه العقيدة الجديدة , وبهذا المنهج الرباني , وبهذه الرسالة الأخيرة. . وهذه هي آصرة التجمع الوحيدة: (( الظلال)
لقد جاء كل دين من عندالله ليكون منهج حياة. منهج حياة واقعية. جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية , وتنظيمها , وتوجيهها , وصيانتها. ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير ; ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب. فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها ; ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ; ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ; ويؤاخذ الناس على مخالفتها , ويؤخذون بالعقوبات.
والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد ; يملك السلطان على الضمائر والسرائر , كما يملك السلطان على الحركة والسلوك. ويجزي الناس وفق شرائعة في الحياة الدنيا , كما يجزيهم وفق حسابة في الحياة الآخرة.
فأما حين تتوزع السلطة , وتتعدد مصادر التلقي. . حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الانظمة والشرائع. . وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا. . حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين , وبين اتجاهين مختلفين , وبين منهجين مختلفين. . وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) . . (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) . . (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) . .
من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة. وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى , أو لأمة من الأمم , أو للبشرية كافة في جميع أجيالها , فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة , إلى جانب العقيدة التي تنشى ء التصور الصحيح للحياة , إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله. . وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله. حيثما جاء دين من عند الله. لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة.
وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى , التي ربما جاءت لقرية من القرى , أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل , في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة. . وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى. . اليهودية , والنصرانية , والإسلام. .