على نحو ما سبق بيانه في حد السرقة. . والقصاص على هذا الأساس العظيم - فوق ما يحمله من إعلان ميلاد الإنسان - هو القضاء الذي تستريح إليه الفطرة ; والذي يذهب بحزازات النفوس , وجراحات القلوب , والذي يسكن فورات الثأر الجامحة , التي يقودها الغضب الأعمى وحمية الجاهلية. . وقد يقبل بعضهم الدية في القتل والتعويض في الجراحات. ولكن بعض النفوس لا يشفيها إلا القصاص. .
وشرع الله في الإسلام يلحظ الفطرة - كما لحظها شرع الله في التوراة - حتى إذا ضمن لها القصاص المريح. . راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص:
(فمن تصدق به فهو كفارة له)
من تصدق بالقصاص متطوعا. . سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل [والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص , أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي , إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تغزيز القاتل بما يراه] أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروج كلها , فتنازل عن القصاص. . من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه ; يحط بها الله عنه.
وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو , وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته. نفوسا لا يغنيها العوض المالي ; ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت. . فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل ? أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد ?. . إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل , وتأمين الجماعة. . ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله. .
روى الإمام أحمد. قال: حدثنا وكيع , حدثنا يونس بن أبي إسحاق , عن أبي السفر , قال"كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار. فاستعدى عليه معاوية. فقال معاوية: سنرضيه. . فألح الأنصاري. .فقال معاويه: شأنك بصاحبك! - وأبو الدرداء جالس - فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة , أو حط به عنه خطيئة". . فقال الأنصارى: فإني قد عفوت". .
وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به التعويض. .
وتلك شريعة الله العليم بخلقة ; وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر , وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ; ويكسب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام.
وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة , التي صارت طرفا من شريعة القرآن , يعقب بالحكم العام:
(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) . .
والتعبير عام , ليس هناك ما يخصصه ; ولكن الوصف الجديد هنا هو (الظالمون) .
وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالة أخرى غير التي سبق الوصف فيها بالكفر. وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية الله - سبحانه - واختصاصه بالتشريع لعباده , وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة ربهم , الصالحة المصلحة لأحوالهم. فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة , وتعرضها لعقاب الكفر. وبتعريض حياة الناس - وهو معهم - للفساد.