الصفحة 198 من 5021

جثتها. فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء لان ما وراء هذا القدر لم يجاور الفأرة بل جاورها ما جاور الفأرة، والشرع ورد بتنجيس جار الخبث لا بتنجيس جار جار النجس، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بطهارة جار السمن الذي جاور الفارة، وحكم بنجاسة ما جاور الفارة، وهذا لان جار جار النجس لو حكم بنجاسته لحكم أيضا بنجاسة ما جاور جار النجس ثم هكذا إلى ما لا نهاية له، فيؤدي إلى أن قطرة من بول أو فارة لو وقعت في بحر عظيم أن يتنجس جميع مائه لاتصال بين أجزائه وذلك فاسد. وفي الدجاجة والسنور وأشباه ذلك المجاورة أكثر لزيادة ضخامة في جثتها فقدر بنحاسة ذلك القدر والآدمي وما كان جثته مثل جثته كالشاة ونحوها مجاور جميع الماء في العادة لعظم جثته فيوجب تنجيس جميع الماء، وكذا إذا تفسخ شئ من هذه الواقعات أو انتفخ لان عند ذلك تخرج البلة منها لرخاوة فيها فتجاور جميع أجزاء الماء وقبل ذلك لا يجاور إلا قدر ما ذكرنا لصلابة فيها، ولهذا قال محمد: إذا وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء لان موضع القطع لا ينفك عن بلة فيجاور أجزاء فيفسدها ا ه‍. وهذا تقرير حسن لو لم يكن مخالفا لعامة كتب أصحابنا فإنها مصرحة بأن مسائل الآبار ليس للرأي فيها مدخل، وما ذكره خلافه. كذا تعقبه شارح المنية. والذي ظهر لي أن ما ذكره في البدائع لا يخالف ما صرحوا به لانه ذكر أن هذا معنى خفي فقهي لا قياس جلي ولا يكون من قبيل الرأي إلا القياس الجلي. وأما القياس الخفي فهو المسمى بالاستحسان إن قال في التوضيح: القياس جلي وخفي. فالخفي يسمى بالاستحسان لكنه أعم من القياس الخفي فإن كل قياس خفي استحسان وليس كل استحسان قياسا خفيا لان الاستحسان قد يطلق على غير القياس الخفي أيضا لكن الغالب في كتب أصحابنا أنه إذا ذكر الاستحسان أريد به القياس الخفي، وهو دليل يقابل القياس الجلي الذي يسبق إليه الافهام وهو حجة عندنا لان ثبوته بالدلائل التي هي حجة إجماعا لانه إما بالاثر كالسلم والاجارة وبقاء الصوم في النسيان، وإما بالاجماع كالاستصناع، وإما بالضرورة كطهارة الحياض والآبار. وأما بالقياس الخفي إلى آخر ما ذكر في أصول الفقه وكذا في كثير من كتب الاصول، فظهر بهذا أن طهارة الآبار بالنزح إنما ثبتت بالقياس الخفي الذي ثبت بالضرورة. قوله: (لا ببعرتي إبل وغنم) أي لا ينزح ماء البئر بوقوع بعرتي إبل وغنم فيها وهذا استحسان، والقياس أن يتنجس الماء مطلقا لوقوع النجاسة في الماء القليل كالاناء. وذكر للاستحسان طريقتان: الاولى واختارها صاحب الهداية مقتصرا عليها أن آبار الفلوات ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت