واستيقظ من خيالاته على صوت الحادي.
-وصلنا إلى الواحة.
لاحت في البعيد ذوائب نخل راحت تكبر وتتجسد جذوعًا وسعفًا وعذوق بلح، ثم تلألأ نبع ماء فأشرق في القلوب فرح تجلى بالتنهدات.
قال الحادي:
-هي المحطة الأخيرة قبل الخروج من البلاد.
وكأن الجِمال أحست بطراوة النسيم فنشطت وغذّت السير حتى إذا ما وصلت القافلة إلى الواحة أنزلت الأحمال عن الجمال، وأوردت الماء فبركت تجتر بهدوء، وانتشر المسافرون على أطراف النبع يشربون، ويغسلون وجوههم وأطرافهم، ثم اجتمعوا في حلقات، أخرجوا الزاد وانهمكوا في الطعام.
قالت جلنار:
-أشعر بالخوف.
قال نجم مهدئًا:
-الطريق آمن والمعبر صديق.
رمقته بنظرة ريبة.
فقال بصوت حاول أن يبعث فيه الثقة.
-كبرنا.
نظرت إليه جلنار تستمد منه القوة.. شباب.. وسامة.. غنى وهذا الومض المتراقص في العينين الذي سباها من النظرة الأولى فجعل القلب يخفق حتى يكاد يخرج من صدرها، واسترجعت كلام أبيها:
-ابنة شاه بندر التجار تتزوج ابن تاجر صغير؟
فأجابت الأم العارفة بهوى ابنتها:
-عندما تزوجتك كنت تاجرًا صغيرًا.
عادت جلنار من شرودها فالتقت عيناها بعيني نجم، ابتسم لها هذه الابتسامة التي تحبها فتجعله أجمل الرجال في عينيها هدأت مخاوفها، ولكن طيفًا عبر خيالها فاربد وجهها وكاد السؤال المر يطفر من شفتيها ولكنها ردته بعنف وكبرياء، ليست هي من يعاتب، ليست هي من تقر بأن عيني زوجها قد تطلعت إلى امرأة أخرى، ليست جلنار من تلوم على هوى امرأة لا تصلح أن تكون جارية لها.
وكأن نجم قد التقط إشارة الحزن من وجه زوجته فأراد أن يوجه تفكيرها بعيدًا عما يكدرها فتساءل
-ترى ما الذي يفعله الأولاد الآن؟
وطار خيالها إلى البيت ريما ومنصور ومأمون، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حنو وأحست بشوق جارف إليهم وكأنها ابتعدت عنهم سنوات لا أيامًا.
قالت:
-ليتنا جئنا بهم معنا.
قال:
-سيتعبون.
فقالت في نفسها:
-أنا التي تعبت من الرحلات.